نساء في القرآن ~ فصل من حياة مريم ~
....


نساء تركن بصمات إيمانية ..
على جدار الزمن ..
لم يمحها كر الدهر وتعاقب الفصول ..
ولم تجرِ عليها ذاكرة النسيان ..
وكيف ..؟! وقد حُفرت سطورها في القرآن المجيد ..؟!
إن سيرهن الناصعة باقية .. مابقي الدهر ..
تخبر عنهن ..!
وتُقرئ ..إنهن في سماء الإيمان نجوم لوامع ..
لايخبو لهن ضوء أبداً

*
كم تمنت لو ترزق بولد ..!
تحتضنه بين ذراعيها ،
وتسكب عليه من حنانها المكتنز بالشوق مايسعها ..!
أقضت هذه الأمنية مضجعها ، وأرقها الحنين ..
السنوات تمر ..
والانتظار امتد بها ..
والصبر يمد حباله ..
والرجاء يترقب ..!
:
:

التجأت إلى رب السماوات والأرض متضرعة متوسلة ..
لم تفتر يوماً عن الدعاء والتضرع
اللهم ياسميع..! ياقريب ..! يامجيب ...!
رب قد طال العهد بي وزاد شوقي إلى ولد تقر به عيني
وتسر به نفسي ..! وأغدق عليه نبع حناني المكتنز في صدري .
رب هاأنا ذي أسألك سؤال المتلهف ..
وأنت الكريم الوهاب ..
رب لئن رزقتني بولد تكتحل به عيني لأجعلنه خادماً وسادناً
في بيت المقدس ..
لن أشغله بامر .. بل ليكن محرراً لخدمة البيت ، مخلصاً لسدانته .
اللهم إنك على كل شيء قدير .
:
:
تلك هي امرأة عمران .. التي كانت تترقب ان يرزقها بذرية بفارغ الصبر..
تسأل الله أن يهبها ولداً .. ليطمئن قلبها ..
وليشيع قدومه السرور بفؤادها ..
لم تطلبه عائلاً لها ..
بل لخدمة بيت المقدس .. وذلك دليل على إيمانها ..
::
وتمر الأيام ..
وإذا بها تشعر بجنين يتحرك بين أحشائها ..
غمرتها فرحة طاغية ، وأشرقت الدنيا في عينيها..
وأقبلت على الحياة مرحة فرحة ..
وشاركها زوجها البهجة ، ونسيا معاناتهما في افتقاد الذرية ..
وبينما هما يعيشان الفرح ، ويعدان العدة للأيام المقبلة ..
إذا بقضاء الله ينزل عليها ، ويخطف فرحتها ..!!
.....
ماذا حدث ..؟! وما الذي بدل سرورها حزناً ..؟!
لقد مات زوجها عمران ، قبل ان تكتحل عينه برؤية وليده ..
وفلذة كبده .. !! مات وتركها وحيدة .. !!
فعانت .. واختلط أملها بالحزن ، وهي تشهد صرح آمالها ينهار ..
ولكنها كلما تحرك جنينها .. سرى عنها ماكانت تجد من وحشة وألم ووحدة .
:
:
أثقل الحمل امرأة عمران ، وباتت أيام الولادة قريبة ..
فقالت تحدث نفسها :
سيكون هذا الولد لي سلوة ..
سينسيني قدومه حزن فقدان أبيه ..
ستقر عيني به بعد أن سكبت الدمع الغزير ..
سأوفي نذري الذي عاهدت به الله تعالى ...!
.....
وكان أن جاءها المخاض كما يأتي النساء .. وولدت !!
ولكن ...!!!
كان المولود بنتاً ....!!
هكذا شاء الله ...!!
:
:
ياالله ..! ماذا سأفعل وقد نذرت وليدي لبيت المقدس ..؟!

كيف أوفي بنذري والمولود أنثى وليس ذكراً ...؟!
والبنات لايصلحن في الخدمة هناك ..؟!
...
هكذا حدثت امرأة عمران نفسها وهي متحيرة ..
وقد غشيتها سحابة من الحزن ، وغمرتها موجة من اليأس ..!
سمّتها ( مريم ) .. الخادمة العابدة للرب ..
أسلمت أمرها لله تعالى ..
ورجت من الله أن يجعل فعلها مطابقاً لاسمها ، ويعيذها وذريتها
من الشيطان الرجيم .
.....
( فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَىٰ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ
وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنثَىٰ ۖ وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ
وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ )
[b] 36 آل عمران .[/B
]

*
انطوت أم مريم على نفسها ، وزاد همها وحزنها ..
والتجأت إلى ربها بالدعاء ، فاستجاب الله لها ، ورضي بنعمة منه وفضل
أن تكون مريم ابنتها وفاء للنذر ..
والله أعلم بما وضعت ، فقد قدر لمريم حياة ومنزلة كريمة لم يصلها أحد
ولذا قبل هبتها ، وأفردها بهذه النعمة دون كل البشر ..
فرحت الأم فرحاً شديداً بهذه المكرمة الإلهية ، وإيثارها بها دون سواها ..
فحملت مريم الصغيرة وقصدت بيت المقدس وقدمتها للأحبار قائلة :
.....
هذه ابنتي أودعها إياكم .. إيفاءاً بنذري .. لتكون في خدمة البيت ..!
فتعهدوها بالرعاية ..
ثم انصرفت وقد تركت جزءاً منها في بيت المقدس ..
وكانت تسأل عن حالها من بعد وتتعرف خبرها ..
:
:
نشأة مريم ~
هذه الطفلة المباركة التي قبلها الله تعالى سادنة في البيت ..
هي ظاهرة ليس لها سابقة ...
وهبة لم تنعم بها أنثى قبلها ولا بعدها ..
خفّ سدنة البيت سراعاً إلى مريم ...
كل يريد أن يحظى بشرف كفالتها وتربيتها والمدبر لشؤونها ..
فهي بعد ذلك بنت إمامهم ، وسليلة صاحب قربانهم ..
فكان أن تنازعوا في كفالتها ، ولم يصلوا إلى حل ..
:
من بين هؤلاء كان زكريا ...!
كان أكثر حباً لتربية وكفالة مريم ..
فهو الأقرب إليها نسباً ، فقد كان زوج خالتها ..
وكان يرى أنه الأحق بهذا الفضل ، والأولى من غيره بذلك الشأن ..
:
اشتد النزاع بين الجميع .. واستحال اتفاقهم ..
ورفضوا أن يسلموا مريم لرعاية لزكريا رغم القرابة التي تجمعه بها ..
لكنهم خافوا في الوقت من تفرق شملهم .. فعمدوا إلى الاقتراع ..
وهو أمر يحسم الحكم في المسائل التي يختلفون فيها ..
:
وكان التقليد أن يلقي الجميع أقلامهم في الماء ..
والقلم الذي يطفو يفوز صاحبه بالمراد ..
فكان أن رسبت جميع الأقلام وارتفع قلم زكريا على وجه الماء ..
تهلل وجه زكريا بالفرح ، وانصاع الجميع للنتيجة ..
وكفلها زكريا ..! وكان ذلك أمراً مقدراً.
:
بنى زكريا لمريم غرفة عالية في بيت المقدس ..
ليمهد سبيل الراحة لتلك التي اختاره الله لتسلم مقاليد أمورها ..
وليبعدها عن الناس والضوضاء ، ويحرم على غيره الدخول عليها
والاهتمام باحتياجاتها ..
تلك الغرفة كانت لاسبيل للوصول إليها إلا بالصعود في سلّم ..
فصارت تلك الغرفة محرابها .. ومكان عبادتها المتواصلة ..!
:
وتمر الأيام والسنوات ..
كبرت مريم فكانت كاللؤلؤ المكنون بهاء .. ونقاءً .. وإشراقاً .. وطهارة ..
وبين آن وآخر كان زكريا يتردد عليها في المحراب ؛ ليطمئن على حالها
حتى كان ذات يوم ...!!
رأى زكريا شيئاً عجيباً .. أدهشه وحيره ..!!
فما هو ذلك الشيء ...؟!



دخل زكريا عند مريم يوماً ففوجيء بوجودرزق عندها ..
لم يحمله هو إليها ..
كما أن باب حجرتها لايطرقه طارق أبداً ..
فمن أين جاء هذا الرزق الغريب ..؟! عجباً ...!
طال التفكير به ، وقلب الأمور ، فلم يسعفه جواب ..
فمال إلى معرفة السر ..
انتظر لليوم التالي .. فوجد مريم تأكل من ذلك الرزق
الذي لايشبه أرزاق الدنيا ..
تقول الآيات الكريمة :
:
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا
وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا ۖ
قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا
ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ ۖ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاءُ بِغَيْرِ حساب ) آل عمران
:
إذن هذا هو السر ...؟!
الرزق الكريم من عند الله الكريم ..
الذي اختص به مريم دون سواها ..
كما هيّأها وأحسن منبتها ، وجعلها من السعداء
وفضلها على نساء العالمين ..
بما تفردت به من كثرة التعبد ، والقنوت ..
والزهد ، والتبتل ..
وبما اختاره الله تعالى لها من دور عظيم ..
جعلها وابنها بعد ذلك آية ودليلاً على القدرة الإلهية ..
وكان هذا الرزق السماوي بعض الآيات والمكرمات ..

*
عظم تقدير زكريا لمريم .. وزاد حدبه عليها ..
بعد أن رأى القدرة الإلهية التي أنزلت لها رزقها من السماء ..!
فتوهج في نفسه الأمل في أن يهبه الله تعالى ولداً ..
رغم استحالة الواقع في تحقيق هذه الأمنية ..
فهو واهن العظم ، كبير السن .. اشتعل رأسه شيباً ..
وامراته فوق كل ذلك كله .. كانت عاقراً ...!!
ولكن إيمانه بقدرة الله واستجابته .. جعلاه ينقطع في مناجاة الله
والتوسل اليه بنداءٍ خفي ،
من قلب خاشع يبث إليه شكواه ورجاءه ونجواه ..!
واستجاب له ربه سبحانه ..
فوهبه يحيي.. لم يكن له من قبل سميا..!!
::
عمر قلب مريم بالصلاح والتقوى ..
ومكثت قريرة العين تعبد الله الذي يرسل إليها كل يوم رزقها رغدا ..
وأخلصت في القيام بسدنة البيت وخدمته ..
وصارت مضرب الأمثال بين الناس ..
بزهدها وتعبدها وإخلاصها وعفافها ...
وسارت حياتها على هذا النمط هادئة وادعة ..
وكان هذا فصلاً من فصول حياتها النقية ..
فلقد أعد ها الله تعالى .. لفصل آخر ..
تقلقت فيه موازين استقرارها.. وتبدلت حياتها ..
حيث مهدها لدور أعظم رسمه تعالى لها ..
واختصها به ...
وبه نالت الفضل على جميع نساء العالمين ..
فسلام على مريم يوم ولدت ..
ويوم توفاها الله ..
ويوم تبعث حية ..!
سلام على ..
سيدة نساء العالمين
16-05-2018, 05:35 PM
 

لا توجد تقييمات لهذا الموضوع

يمكنك البدء بإعطاء تقييم عبر الضغط على النجوم أدناه:
5
4
3
2
1
جزاكِ الله
خير
حبيبتي
16-05-2018, 06:04 PM
 
اقتباس مشاركة  (ألـوان الورد~)
جزاكِ الله
خير
حبيبتي
حياك الله غاليتي
وجزيل الشكر لمشاركتك الناعمة
بورك الحضور .
16-05-2018, 07:06 PM
 
سلام على مريم العذراء
صاحبة الاسم الذي كرمه الله يجعله اسم سورة من سور قرآنه الكريم
وقد سميت ابنتي على اسمها تيمنا بصاحبة الاسم
سلمت يداك حبيبتي على ذلك الطرح الراقي والمتميز
ودمت بود وحب دائمين غاليتي فيض واحة الادب الرقراق وعطرها
16-05-2018, 10:04 PM
 
الحبيبة فيض:
طرحكِ قيّم
مُترع بروح الإيمان،
ويتجلى بقصصٍ نوارنية
بزغتْ من ثناياها سيرة النساء الطاهرات..!
بوركتِ ياعبقة..
وأثابكِ الله على غراس الخير ،
وسنابل العطاء!!
17-05-2018, 08:28 AM
 


الساعة الآن 06:56 PM.