بسم الله الرحمن الرحيم

في درس حديث أبي هريرة "فيما نهي عنه من البيوع"

النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- نهى عن النجش
فقال: (ولا تناجشو)
ووردت أحاديث في النهي عن النجش: حديث أبي هريرة أن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: (نهى أن يبيع حاضر لباد وأن يتناجشو) وهذا متفق عليه.

وحديث ابن عمر (نهى النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- عن النجش) وهو أيضا متفق عليه
وعند ابن أبي أوفى مرفوعا قوله (إن الناجش آكل ربا خائن) وهذا عند أبي شيبة موقوفا إلا في رواية الطبراني آكل ربا خائن ملعون ففيه أيضا لعنه.

والنجش في اللغة: أصله من الاستثارة أو من الخديعة، ولذلك يقال للصائد: إنه ناجش، يعني يخادع صيده ويستثيره ليوقع به، فالناجش أو الصائد يستثير الصيد والوحش ليخرج من مكمنه فإذا خرج أوقعه وأمسك به

وكذا هذا الناجش الذي يزيد في السلعة -أي يزيد في ثمنها- وهو لا يريد أن يشتريها وإنما يريد أن يغر غيره فيشتريها بأكثر من ثمنها، هذا الناجش يخادع هذا المشتري ويستثيره ليزيد في السعر عند المزايدة حتى إذا زاد في السعر كف هو عن النجش فلزمت هذا المزايد أو لزمت هذا المشتري.

إذن النجش شرعًا: هو أن يزيد في ثمن السلعة ليغر غيره فيشتريها بأكثر من ثمنها، فهذا النجش قد يكون من البائع أو قد يكون من غير البائع

فإذا كان من البائع فما صورته؟
صورته
أن يقول البائع جاءني في هذه السلعة كذا وكذا جاءني فيها كذا وكذا يعني سيمت لي بكذا، وهو غيره صادق في قوله، لماذا يقول هذا؟ ليغر المشتري، وما أكثر ما يقع هذا في أسواق المسلمين بين عامتهم وأحيانا بين خاصتهم، يذكر أن سلعته تساوي كذا وأنها وقفت عليه بكذا وأنه جاءه فيها من يسومها بكذا، ولا يكون لهذا نصيب من الصحة، فهذا لا شك في تحريمه وفي منعه وفي أنه إذا باع السلعة على هذا النحو كان آثما وأدخل إلى بيته وجيبه وبطنه ما لا يحل له بهذه الطريقة المحرمة.

والصورة الثانية

أن يتواطأ البائع مع آخر فيقول: إذا أنا عرضت السلعة للمزايدة فتزيد فيها إلى كذا حتى يعتقد الحضور أنها تساوي كذا، عندئذ يزايد أحدهم فتلزمه السلعة، فهذا تواطؤ من البائع وآخر على الإيقاع بالمشتري.

وهناك صورة ثالثة لا تستبعد أيضا

حيث يوجد في الأسواق من يجامل البائع على حساب المشتري، يوقع بالمشتري من غير تواطؤ مع البائع -من غير اتفاق مع البائع-، فإذا وقعت المساومة جاء فزاد من غير تواطؤ أو اتفاق بينه وبين البائع فهذه صور ثلاثة كلها لا تحل وكلها محرمة سواء أن كان البائع هو الناجش أو كان النجش باتفاق مع البائع أو كان النجش بعيدا عن البائع وبغير علمه .

لسائل أن يقول ما الفرق بين النجش والمزايدة؟قد قلنا من قبل إن بيع المزايدة متفق عليه وهذا يزيد في السعر وذاك يزيد في السعر، فلماذا قلنا بتحريم النجش ولم نقل بتحريم بيع المزايدة؟

الفرق ظاهر بين المزايدة المباحة وبين النجش: الناجش لا يريد شراء السلعة وإنما يريد أن يغر غيره ليوقع به، وأما المزايد فهو راغب في الشراء جاد في هذه الصفقة.

ثم إن الفقهاء يتساءلون بأي شيء يقع النجش، وكيف يتحقق؟

المذهب الأول

يقول إن كل زيادة على الثمن الذي وصل إليه البيع من غير رغبة في الشراء فهو نجش سواء كان الثمن هو قيمة هذه السلعة أو أقل أو أكثر، كل زيادة بعد انتهاء السعر في المزايدة الحقيقية: هذا يعتبر نجشا.

القول الثاني


الزيادة على ثمن المثل هي التي تعتبر نجشا أما الزيادة قبل أن يصل السعر إلى ثمن المثل لا يعد نجشا محرما.

مرة أخرى:

المذهب الأول:
هو مذهب الجمهور من الشافعية والحنابلة وهذا مشهور مذهب المالكية: أن مطلق الزيادة على ما انتهى إليه السعر يعد نجشا، طالما أنه لا يريد أن يشتري فكل زيادة على السعر سواء بلغ ثمن المثل أولم يبلغ يعد نجشا محرما.

وأما المذهب الثاني
فهو مذهب الحنفية والظاهرية وبعض المالكية يقولون بأنه يجوز له أن يزيد في السعر إلى أن يبلغ بها ثمن المثل حتى لو كان لا يريد الشراء .

ما ثمرة الخلاف هنا؟ ما هي فائدة هذا التفريع والتفصيل؟

في مسألة
لو أن إنسانا رأي قوما يتبايعون سلعة بالمزايدة فوجد أن السعر لم يبلغ إلى ثمن المثل فزاد فيها إلى ثمن المثل، فهل يعتبر هذا من النجش المحرم ويكون عاصيا أو لا؟

عند جمهور الفقهاء يكون عاصيا، وعند الفريق الثاني من الحنفية والظاهرية وبعض المالكية لا يعتبر عاصيا لأنه لم يزد على ثمن المثل.


وما هو الراجح، القول الأول أو الثاني؟ من يستطيع أن يرجح ؟ ومن يريد أن يرجح لماذا يرجح؟


لأن الترجيح لا يكون بالتشهي، وإنما الترجيح يكون بالنظر الصحيح أو بالدليل.

إن الراجح هو مذهب الأولين..
لماذا؟ لأنه يترتب على هذا ضرر
ضرر بمن؟ بالمشتري....

لماذا؟
لأنه يدفع فيها أكثر مما تساوي، فإذا قال إنسان: إنه يرفعها إلى ثمن المثل، قلنا إنها إذا بلغت دون حد ثمن المثل فرضي البائع بهذا البيع فإن الزيادة عنه يعتبر ضررا بالمشتري، فإذا وقع البيع عن تراض ورضي البائع أن يبيع دون ثمن المثل فإن الزيادة إلى ثمن المثل تعد إضرارا بالمشتري، وبهذا يترجح لدينا أن مطلق الزيادة ممن لا يريد الشراء محرما سواء بلغ بالزيادة حد ثمن المثل أو كان دون ذلك


والله أعلى وأعلم.
فضيلة الشيخ/ د. محمد بن يسري بن إبراهيم

المرجع :: الأكاديمية الأسلامية





الساعة الآن 03:21 .