بسم الله الرحمن الرحيم
السلام عليكم و رحمة الله و بركاته

اعلمي - رحمني الله وإياكي - أن حكام المسلمين على قسمين:
1.حاكم مسلم عادل , تجب طاعته ومعونتهونصحه والدعاء له
2. حاكم ظالم ( جائر فاسق ) ، فيجب الصبر عليه وطاعته في المعروف, و يحرم الخروج عليه بدليل الكتاب و السنة و إجماع المسلمين و بدون خلاف


يقول شيخ الإسلام ابن تيمية قدس الله روحه في كتاب منهاج السنة : ( ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لا يرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم ، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة ، فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي إزالته ) .



قال الإمام النووي :
(وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين وإن كانوا فسقة ظالمين وقد تظاهرت الأحاديث على ماذكرته وأجمع أهل السنة أنه لاينعزل السلطان بالفسق....) شرح النووي 12/229

بداية أثبت الإجماع من كلام العلماء حتى يعرف المخالف انه خالف المسلمين كلهم و اتبع هواه




الأدلة من أحاديث إمام الهدى - عليه الصلاة و السلام - مع بعض التعليق

و هي ستة عشر حديث من البخاري و مسلم و غيره مع نقل بعض الشرح لأئمة الهدى من كبار علماء الإسلام



والإجماع الذي أنعقد عند أهل السنة والجماعة على وجوب السمع والطاعة لهم مبني على النصوص الشرعية الواضحة التي تواترت بذلك، ونحن نذكر طرفاً منها يحصل به المقصود، ويتضح به الحق – إن شاء الله تعالي -





الدليل الأول :

قول الله – تعالي - : ( فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ( (110)


قال ابن عطية في تفسير هذه الآية :
(( لما تقدم إلي الولاة في الآية المتقدمة – يشير إلي قوله : ( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً ( تقدم في هذه إلي الرعية فأمر بطاعته – عز وجل -، وهي امتثال أوامره ونواهيه وطاعة رسوله وطاعة الأمراء على قول الجمهور، أبي هريرة وابن عباس وابن زيد وغيرهم ... )) (111) ا هـ.

قال النووي – رحمه الله تعالي - :
(( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل : هم العلماء ،وقيل : هم الأمراء والعلماء ... )) (112) ا هـ
واختلف أهل العلم – رحمهم الله تعالي – في أولي الأمر الذين أمر الله عباده بطاعتهم في هذه الآية :
فذهب جماهير أهلا لعلم – كما تقدم – إلي أنها في الأمراء وذهب بعض أهل العلم إلي أنها في أهل العلم والفقه
وقال آخرون : هي عامة تشمل الصنفين.

قال ابن جرير الطبري – رحمه الله تعالي – في تفسيره (113)
(( وأولي الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال : هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما كان طاعة، وللمسلمين مصلحة .... )) إلي أن قال :
(( فإذا كان معلوماً أنه لا طاعة واجبة لأحد غير الله أو رسوله أو إمام عادل، وكان الله قد أمر بقوله ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ( بطاعة ذي أمرنا كان معلوماً أن الذين أمر بطاعتهم – تعالي ذكره – من ذوي أمرنا هم الأئمة من ولاة المسلمون دون غيرهم من الناس، وإن كان فرضاً القبول من كل من أمر بترك معصية ودعا إلي طاعة الله، وأنه لا طاعة تجب لأحد فيها أمر ونهي فيما لم تقم حجة وجوبه إلا للأئمة الذين ألزم الله عباده طاعتهم فيما أمروا به رعيتهم مما هو مصلحة لعامة الرعية فإن على من أمروا بذلك طاعتهم وكذلك في كل ما لم يكن لله فيه معصية.

وإذا كان ذلك كذلك، كان معلوماًً بذلك صحة ما اخترنا من التأويل دون غيره )). ا هـ
وهذا الذي رجحه ابن جرير هو اختيار البيهقي – رحمه لله – وقد احتج له بحجة أخري، فقال :
(( والحديث الذي ورد في نزول هذه الآية دليل على أنها في الأمراء )) (114) ا هـ .
وقد سبق الجمع إلي ذلك الإمام الشافعي – رحمه الله تعالي – وقرره تقريراً حسناً، كما نقله الحافظ ابن حجر (115) : قال الشافعي :
(( كان من حول مكة من العرب لم يكن يعرف الإمارة وكانت تأنف أن تعطي بعضها بعضاً طاعة الإمارة، فلما دانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم بالطاعة لم تكن تري ذلك يصلح لغير النبي صلى الله عليه وسلم، فأمروا أن يطيعوا أولي الأمر )).
والحديث الذي أشار إليه هو ما أخرجه البخاري (116) ومسلم (117) في صحيحيهما )) عن ابن جريح قال :
في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم في سرية.
أخبرنيه يعلى بن مسلم عن سعيد بن جبير عن ابن عباس ففي هذه الآية وجوب السمع والطاعة لولاة الأمر.
وهذا مطلق يقيد بما ثبت في السنة في أن الطاعة تكون في غير معصية الله تعالي.
(( ولعل هذا هو السر في حذف الفعل عن الأمر بطاعتهم وذكره مع طاعة الرسول، فإن الرسول لا يأمر إلا بطاعة الله ،ومن يطعه فقد أطاع الله، وأما أولو الأمر فشرط الأمر بطاعتهم أن لا يكون في معصية )) (118) .

الدليل الثاني :
أخرج البخاري في(( صحيحه )) – كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية – ومسلم في (( صحيحه)) كتاب الإمارة (119)، عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :
(( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )).
قوله (( فيما أحب وكره )) أي فيما وافق غرضه أو خالفه.
قال المباركفوري في (( شرح الترمذي ))
((وفيه : أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب .
قال المطهر على هذا الحديث :
(( يعني :سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية فإن أمره بها فلا تجوز طاعته لكن لا يجوز له محاربة الإمام )) (120) ا هـ.

وقوله فلا سمع ولا طاعة يعني : فيما أمر به من المعصية فقط، فإذا أمره أن يرابى أو أن يقتل مسلماً بغير حق فلا يسمع له مطلقاً في كل أوامره، بل يسمع له ويطاع مطلقاً، إلا في المعصية فلا سمع ولا طاعة (121).
قال حرب في (( العقيدة )) التي نقلها عن جميع السلف : (( وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية فليس لك أن تطعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه )) ا هـ. (122)

الدليل الثالث :
أخرج الإمام مسلم في (( صحيحه )) – كتاب الإمارة (123) - عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، قال :
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : (( عليك السمع والطاعة، في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك، وأثره عليك ))
قوله : (( منشطك ) مفعل من النشاط، أي : في حالة نشاطك. وكذلك قوله : (( ومكرهك )) أي : حالة كراهتك.
والمراد : في حالتي الرضي والسخط والعسر واليسر والخير والشر. قاله ابن الأثير (124)
قال العلماء – كما حكي النووي - :
(( معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما يشق وتكرهه النفوس وغيه مما ليس بمعصية، فإن كانت معصية فلا سمع ولا طاعة ))
قال : (( والأثرة : الاستئثار والاختصاص بأمور الدنيا عليكم.
أي : أسمعوا وأطيعوا وأن أختص الأمراء بالدنيا، ولم يوصلوكم حقكم مما عندهم )) (125) ا هـ.

الدليل الرابع :
أخرج مسلم في (( صحيحه )) (126) – وبوب عليه النووي فقال - : باب في طاعة الأمراء وأن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال :
سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ! أرأيت أ، قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ثم سأله ؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية – أو في الثالثة - ؟ فجذبه الأشعث بن قيس، وقال :
(( أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ))
وفي رواية لمسلم – أيضاً : فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ))
والمعني : أن الله – تعالي- حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس فإذا لم يقيموه أثموا، وحمل الرعية السمع والطاعة لهم، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإلا أثموا.

الدليل الخامس :
أخرج مسلم في (( صحيحه )) (127) عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – قال :
قلت : يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال ((نعم ))، قلت : هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال (( نعم )) قلت فهل وراء الخير شر ؟ قال : (( نعم )) قلت : كيف ؟ قال (( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ))
قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله – أن أدركت ذلك ؟
قال : (( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع )).

وهذا الحديث من أبلغ الأحاديث التي جاءت في هذا الباب إذ قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأئمة بأنهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته وذلك غاية الضلال والفساد ونهاية الزيغ والعناد فهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك غاية الضلال والفساد ونهاية الزيغ والعناد، فهم لا يهتدون بالهدي النبوي في أنفسهم ولا في أهليهم ولا في رعاياهم ...
ومع ذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم – في غير معصية الله – كما جاء مقيداً في حديث آخر – حتى لو بلغ الأمر إلي ضربك وأخذ مالك، فلا يحملنك ذ لك على ترك طاعتهم وعدم سماع أوامرهم، فإن هذا الجرم عليهم وسيحاسبون ويجازون به يوم القيامة.
فإن قادك الهوى إلي مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطيع لأميرك لحقك الآثم ووقعت في المحظور.
وهذا الأمر النبوي من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضروب إن لم يسمع ويطع، وذك المضروب إذا لم يسمع ويطع ... أفضي ذلك إلي تعطيل المصالح الدينية والدنيوية فيقع الظلم على جميع الرعية أو أكثرهم، وبذلك يرتفع العدل عن البلاد فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع.
بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج، وسمع وأطاع لقامت المصالح ولم تتعطل، ولم يضع حقه عند الله – تعالي -، فربما عوضه خير منه وربما ادخره له في الآخرة.
وهذا من محاسن الشريعة، فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً، فالحمد لله على لطفه بعباده.

الدليل السادس :
أخرج مسلم في (( صحيحه )) (128) عن عوف بن مالك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :
(( خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، ويصلون عليكم وتصلون عليهم وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم وتلعنونهم ويلعنونكم ))
قيل : يا رسول الله ! أفلا ننابذهم بالسيف ؟ فقال :
( لا، ما أقاموا فيكم الصلاة، وإذا رأيتم من ولاتكم شيئاً تكرهونه فاكرهوا عمله، ولا تنزعوا يداً من طاعة )
وفي لفظ أخر له :
(( ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئاً من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يداً من طاعة ))

الدليل السابع :
أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) (129) عن أبي هريرة رضي الله عنه -، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصي الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصي أميري فقد عصاني ))
وفي لفظ لمسلم : (( ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصى الأمير، فقد عصاني ))
وقد بوب البخاري – رحمه الله – على هذا الحديث في كتاب الأحكام من (( صحيحه ))، فقال : باب قول الله – تعالي – ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ ( (130)
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
(( وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم : المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد )) ا هـ.


الدليل الثامن :
أخرج البخاري في (0 صحيحه )) – كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة – للإمام ما لم تكن معصية -، عن أنس ابن مالك – رضي الله عنه -، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أسمعوا وأطيعوا، وأن أستعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ))

الدليل التاسع :
أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) (131)، عن عبادة ابن الصامت – رضي الله عنه -، قال :
دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، فكان فيما أخد علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأسره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال :
(( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان ))
هذا لفظ لمسلم.
وقد أخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) (132) بلفظ :
(( أسمع وأطع في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك وأثره عليك، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية ))

الدليل العاشر :
أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) (133) بسند جيد، عن معاوية – رضي الله عنه -، عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال :
((أن السامع المطيع لا حجة عليه، وإن السامع العاصي لا حجة له ))

الدليل الحادي عشر :
أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) (134) أيضاً عن عدي ابن حاتم – رضي الله عنه -، قال : قلنا : يا رسول الله ! لا نسألك عن طاعة من أتقي، ولكن من فعل وفعل – فذكر الشر -، فقال :
(( اتقوا الله واسمعوا وأطيعوا )).

الدليل الثاني عشر :
أخرج ابن زنجوية في كتاب (( الأموال )) (135)، عن أبي هريرة – رضي الله عنه -، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال :
(( ليس السمع والطاعة فيما تحبون، فإذا كرهتم أمراً تركتموه، ولكن السماع والطاعة فيما كرهتم وأحببتم، فالسامع المطيع لا سبيل عليه والسامع العاصي لا حجة له ))


الدليل الثالث عشر :
أخرج ابن حبان في (( صحيحه )) (136)، عن عبد الله ابن الصامت، قال : قدم أبو ذر على عثمان من الشام، فقال :
يا أمير المؤمنين ! أفتح الباب حتى يدخل الناس، أتحسبني من قوم يقرأ ون القرآن لا يجاوز حناجرهم، يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية، ثم لا يعدون فيه، حتى يعود السهم على فوقه، وهم شر الخلق والخليقة.
والذي نفسي بيده لو أمرتني أن أقعد لما قمت ،ولو أمرتني أن أكون قائماً لقمت ما أمكنني رجلاي، ولو ربطتني على بعير لم أطلق نفسي حتى تكون أنت الذي تطلقني .
ثم أستأذنه يأتي الربذة، فأذن له ،فأتاها ،فإذا عبد يؤمهم فقالوا :أبو ذر فنكص العبد، فقيل له : تقدم، فقال : أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث :
((أن أسمع وأطيع، ولو لعبد حبشي مجدع الأطراف ...))الحديث .


الدليل الرابع عشر :
أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) (137)، عن المقدام بن معدي كرب ،أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
(( أطيعوا أمراءكم مهما كان فإن أمروكم بشيء مما لم آتكم به فهو عليهم، وأنتم منه براء ،وأن أمروكم بشيء مما جئتكم به، فإنهم يؤجرون عليه وتؤجرون عليه، وذلك بأنكم إذا لقيتم ربكم قلتم : ربنا لا ظلم، فيقولون : ربنا أرسلت إلينا رسلاً، فأطعناهم ،واستخلفت علينا خلفاء فأطعناهم وأمرت علينا أمراء فأطعناهم، فيقول : صدقتم، وهو عليهم، وأنتم منه براء )).

الدليل الخامس عشر :
أخرج ابن أبي عاصم في (( السنة )) (138) عن أبي امامة الباهلي، قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :
(( أنه لا نبي بعدي ولا أمة بعدكم، ألا فاعبدوا ربكم وصلوا خمسكم ،وصوموا شهركم، وأد رأوا زكاة أموالكم، طيبة بها نفوسكم وأطيعوا أمرائكم، تدخلوا جنة ربكم )). إسناده صحيح.

الدليل السادس عشر :
أخرج ابن سعيد (139) أن زيد بن وهب قال : لما بعث عثمان إلي ابن مسعود يأمره بالقدوم إلي المدينة، أجتمع الناس فقالوا : أقم ونحن نمنعك أن يصل إليك شيء تكرهه، فقال :
(( أن له على حق طاعة، ولا أحب أن أكون أول من فتح باب الفتن ))

فتأمل فعل ابن مسعود هنا وفعل أبي ذر المتقدم مع أمير المؤمنين عثمان – رضي الله عن الجميع – يظهر لك ما كان عليه جماعة السلف من التسليم المطلق لأمر الشارع ( وتقديم قوله على ما تهوي النفس.
وإن الإثارة على الولاية القائمة فتح باب شر على الأمة.
قال أئمة الدعوة – رحمهم الله تعالي – عند إيرادهم لطائفة من الأحاديث النبوية في هذا الباب :
(( إذا فهم ما تقدم من النصوص القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء المحققين في وجوب السمع والطاعة لولي الأمر وتحريم منازعته والخروج عليه، وأن المصالح الدينية والدنيوية لا انتظام لها إلا بالإمامة والجماعة، تبين :

أن الخروج عن طاعة ولي الأمر والافتيات عليه بغزو أو غيره معصية ومشاقة لله ورسوله ومخالفة لما عليه أهل السنة والجماعة )) (140)


وقال شيخ الإسلام – رحمه الله - :
((وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهي الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم ،والخروج عليهم – بوجه من الوجوه -، كما قد عرف من عادات أهل السنة والدين قديماً وحديثاً، ومن سيرة غيرهم )) (141
-------------------------------------------------------------------


منهج الإئمة الأعلام في التعامل مع ولاة الأمر في كل مكان وزمان



بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد.
فهذه كلمات وجيزة، مبنية على النصوص الشرعية، مؤيدة بالآثار السنية السلفية، تشرح شيئاً مما ينبغي أن يعرفه المسلم عن أحكام معاملة ولاة أمر المسلمين في كل زمان ومكان.
فإن السمع والطاعة لولاة أمر المسلمين أصل من أصول عقيدة أهل السنة والجماعة، إذ بالسمع والطاعة لهم تنتظم مصالح الدين والدنيا معاً، وبالافتيات عليهم قولاً أو فعلاً فساد الدين والدنيا.
وقد عُلِمَ بالضرورة من دين الإسلام : أنه لا دين إلا بجماعة، ولا جماعة إلا بأمامة، ولا إمامة إلا بسمع وطاعة. جاء ذلك عن عمربن الخطاب – رضي الله عنه - [الدارمي (1/91)].
قول الله – تعالي - :
يا أيها الذين امنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً ) النساء 59

قال أبو هُريرة لما نَزلت هذه الآية أُمرنا بطاعة الأئمة ، وطاعتُهم من طاعة الله وعصيانُهم من عصيان الله» العقد
الفريد(1/25)

قال النووي – رحمه الله تعالي - :
(( المراد بأولي الأمر من أوجب الله طاعته من الولاة والأمراء هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير السلف والخلف من المفسرين والفقهاء وغيرهم، وقيل : هم العلماء ،وقيل : هم الأمراء والعلماء ... )) (( شرح النووي على مسلم )) : ( 12/223 ) .

أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) (129) عن أبي هريرة رضي الله عنه -، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( من أطاعني، فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصي الله، ومن أطاع أميري، فقد أطاعني، ومن عصي أميري فقد عصاني ))
وفي لفظ لمسلم : (( ومن يطع الأمير فقد أطاعني، ومن يعصى الأمير، فقد عصاني ))
وقد بوب البخاري – رحمه الله – على هذا الحديث في كتاب الأحكام من (( صحيحه ))، فقال : باب قول الله – تعالي – ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ )النساء 59
قال الحافظ ابن حجر – رحمه الله - :
(( وفي الحديث وجوب طاعة ولاة الأمور، وهي مقيدة بغير الأمر بالمعصية، والحكمة في الأمر بطاعتهم : المحافظة على اتفاق الكلمة، لما في الافتراق من الفساد )) ا هـ.
أخرج مسلم في (( صحيحه )) (127) عن حذيفة بن اليمان – رضي الله عنهما – قال :
قلت : يا رسول الله ! إنا كنا بشر فجاء الله بخير فنحن فيه فهل من وراء هذا الخير شر ؟ قال ((نعم ))، قلت : هل وراء ذلك الشر خير ؟ قال (( نعم )) قلت فهل وراء الخير شر ؟ قال : (( نعم )) قلت : كيف ؟ قال (( يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس ))
قال : قلت : كيف أصنع يا رسول الله – أن أدركت ذلك ؟
قال : (( تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع )).
وهذا الحديث من أبلغ الأحاديث التي جاءت في هذا الباب إذ قد وصف النبي صلى الله عليه وسلم هؤلاء الأئمة بأنهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته وذلك غاية الضلال والفساد ونهاية الزيغ والعناد فهم لا يهتدون بهديه ولا يستنون بسنته، وذلك غاية الضلال والفساد ونهاية الزيغ والعناد، فهم لا يهتدون بالهدي النبوي في أنفسهم ولا في أهليهم ولا في رعاياهم ... ومع ذلك فقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بطاعتهم – في غير معصية الله – كما جاء مقيداً في حديث آخر – حتى لو بلغ الأمر إلي ضربك وأخذ مالك، فلا يحملنك ذ لك على ترك طاعتهم وعدم سماع أوامرهم، فإن هذا الجرم عليهم وسيحاسبون ويجازون به يوم القيامة.
فإن قادك الهوى إلي مخالفة هذا الأمر الحكيم والشرع المستقيم، فلم تسمع ولم تطيع لأميرك لحقك الآثم ووقعت في المحظور.
وهذا الأمر النبوي من تمام العدل الذي جاء به الإسلام، فإن هذا المضروب إن لم يسمع ويطع، وذك المضروب إذا لم يسمع ويطع ... أفضي ذلك إلي تعطيل المصالح الدينية والدنيوية فيقع الظلم على جميع الرعية أو أكثرهم، وبذلك يرتفع العدل عن البلاد فتتحقق المفسدة وتلحق بالجميع.
بينما لو ظلم هذا فصبر واحتسب، وسأل الله الفرج، وسمع وأطاع لقامت المصالح ولم تتعطل، ولم يضع حقه عند الله – تعالي -، فربما عوضه خير منه وربما ادخره له في الآخرة.
وهذا من محاسن الشريعة، فإنها لم ترتب السمع والطاعة على عدل الأئمة، ولو كان الأمر كذلك، لكانت الدنيا كلها هرجاً ومرجاً، فالحمد لله على لطفه بعباده.

أخرج مسلم في (( صحيحه )) (126) – وبوب عليه النووي فقال - : باب في طاعة الأمراء وأن منعوا الحقوق، عن علقمة بن وائل الحضرمي عن أبيه قال :
سأل سلمة بن يزيد الجعفي رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا نبي الله ! أرأيت أ، قامت علينا أمراء يسألونا حقهم ويمنعونا حقنا فما تأمرنا ؟ فأعرض عنه ثم سأله ؟ فأعرض عنه، ثم سأله في الثانية – أو في الثالثة - ؟ فجذبه الأشعث بن قيس، وقال :
(( أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ))
وفي رواية لمسلم – أيضاً : فجذبه الأشعث بن قيس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :
(( أسمعوا وأطيعوا فإنما عليهم ما حملوا وعليكم ما حملتم ))
والمعني : أن الله – تعالي- حمل الولاة وأوجب عليهم العدل بين الناس فإذا لم يقيموه أثموا، وحمل الرعية السمع والطاعة لهم، فإن قاموا بذلك أثيبوا عليه، وإلا أثموا.

أخرج البخاري في(( صحيحه )) – كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية – ومسلم في (( صحيحه)) كتاب الإمارة (119)، عن عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال :
(( على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة )).
قوله (( فيما أحب وكره )) أي فيما وافق غرضه أو خالفه.
قال المباركفوري في (( شرح الترمذي )) ((وفيه : أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب .
قال المطهر على هذا الحديث ( يعني :سمع كلام الحاكم وطاعته واجب على كل مسلم، سواء أمره بما يوافق طبعه أو لم يوافقه، بشرط أن لا يأمره بمعصية فإن أمره بها فلا تجوز طاعته لكن لا يجوز له محاربة الإمام )) (120) ا هـ.
وقوله فلا سمع ولا طاعة يعني : فيما أمر به من المعصية فقط، فإذا أمره أن يرابى أو أن يقتل مسلماً بغير حق فلا يسمع له مطلقاً في كل أوامره، بل يسمع له ويطاع مطلقاً، إلا في المعصية فلا سمع ولا طاعة (121).
أخرج البخاري ومسلم في (( صحيحيهما )) (131)، عن عبادة ابن الصامت – رضي الله عنه -، قال :
دعانا رسول الله صلى الله عليه وسلم، فبايعناه، فكان فيما أخد علينا أن بايعنا على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأسره علينا وأن لا ننازع الأمر أهله، قال :
(( إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم من الله فيه برهان )) ،هذا لفظ لمسلم.
وقد أخرجه ابن حبان في (( صحيحه )) (132) بلفظ : (( أسمع وأطع في عسرك ويسرك، ومنشطك ومكرهك وأثره عليك، وإن أكلوا مالك وضربوا ظهرك إلا أن يكون معصية ))
قال ابن رجب الحنبلي – رحمه الله - : وأما السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين ففيها سعادة الدنيا وبها تنتظم مصالح العباد في معاشهم وبها يستعينون على إظهار دينهم وطاعة ربهم كما قال على بن أبي طالب -رضي الله عنه- : إن الناس لا يصلحهم إلا إمام بر أو فاجر إن كان فاجرا عبد المؤمن فيه ربه وحمل الفاجر فيها إلى أجله .وقال الحسن رحمه الله في الأمراء" هم يلون من أمورنا خمسا الجمعة والجماعة والعيد والثغور والحدود والله ما يستقيم الدين إلا بهم وإن جاروا أو ظلموا والله لما يصلح الله بهم أكثر مما يفسدون مع أن والله إن طاعتهم لغيظ وإن فرقتهم لكفر". [جامع العلوم والحكم ج1/ص262]


قال حرب في (( العقيدة )) التي نقلها عن جميع السلف : (( وإن أمرك السلطان بأمر فيه لله معصية فليس لك أن تطعه البتة وليس لك أن تخرج عليه ولا تمنعه حقه )) ا هـ. (122)
قال الإمام البربهاري – رحمه الله - :ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه وإن جار وذلك لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر الغفاري رضي الله عنه :« اصبر وإن كان عبدا حبشيا » وقوله للأنصار رضي الله عنهم :« اصبروا حتى تلقوني على الحوض » وليس من السنة قتال السلطان فإنَّ فيه فساد الدنيا والدين . [شرح السنة (ص 29)]


قال الفقيه أبو عبد الله القلعيّ الشافعي في كتابه (( تهذيب الرياسة )) (ص 94): نظام أمر الدين والدنيا مقصود، ولا يحصل ذلك إلا بإمام موجود. لو لم نقل بوجوب الإمامة؛ لأدى ذلك إلى دوام الاختلاف والهرج إلى يوم القيامة.
لو لم يكن للناس إمام مطاع؛ لانثلم شرف الإسلام وضاع. لو لم يكن للأمة إمام قاهر؛ لتعطلت المحاريب والمنابر، وتعطلت السبل للوارد والصادر. لو خلا عصر من إمام؛ لتعطلت فيه الأحكام، وضاعت الأيتام، ولم يُحج البيت الحرام. لولا الأئمة والقضاة والسلاطين والولاة؛ لما نكحت الأيامى ولا كفلت اليتامى. لولا السلطان؛ لكان الناس فوضى، ولأكل بعضهم بعضا )).
قال كعب الأحبار :"مَثل الإسلام والسلطان والناس مَثل الفُسطاط والعمود والأوتاد ،فالفسطاط الإسلام ،والعمود السلطان ،والأوتاد الناس ،ولا يصلح بعضها إلا ببعض ." (العقد الفريد ج1/ص24)


فكان السلف الصالح – رضوان الله عليهم – يولون هذا الأمر اهتماماً خاصاً، لا سيما عند ظهور بوادِرِ الفتنة، نظراً لما يترتب على الجهل به – أو إغفاله – من الفساد العريض في العباد والبلاد.

فـصـل:
في وجوب عقد البيعة للإمام القائم المستقر المسلم، والتغليظ على من ليس في عنقه بيعة، والترهيب من نقضها.

قال الإمام البربهاري – رحمه الله تعالى– في كتابه ((شرح السنة)) : (( من ولي الخلافة بإجماع الناس عليه ورضاهم به؛ فهو أمير المؤمنين، لا يحل لأحدٍ أن يبيت ليلةً ولا يرى أن ليس عليه إمام؛ برَّاً كان أو فاجراً … هكذا قال أحمد بن حنبل )).
وقد دل على ذلك ما أخرجه الإمام مسلم في صحيحه (12/240، النووي) –كتاب الإمارة- أن عبد الله بن عمر جاء إلى عبد الله بن مُطيع –حين كان من أمر الحرة ما كان: زمن يزيد بن معاوية- ، فقال عبد الله بن مطيع: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة، فقال: إني لم آتك لأجلس، أتيتك لأحدثك حديثاً، سمعت رسول الله يقول: (( من خلع يداً من طاعة؛ لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات ليس في عنقه بيعة؛ مات ميته جاهلية )).
وأخرج أيضاً في صحيحه (3/1474) أن النبي قال: (( يكون بعدي أئمة، لا يهتدون بهُداي، ولا يستنون بسنتي، وسيقوم فيهم رجال، قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان أنس)). قال: حذيفة: كيف أصنع –يارسول الله- إن أدركت ذلك؟ قال: (( تسمع وتطيع للأمير، وإن ضـرب ظهـرك، وأخذ مالك؛ فاسمع وأطع )).
وفي مسند الإمام أحمد : لما خلع الناس يزيد بن معاوية جمع ابن عمر بنيه وأهله، ثم تشهد، ثم قال: (( أما بعد؛ فإننا بايعنا هذا الرجل على بيع الله ورسوله، وإني سمعت رسول الله يقول : (( إن الغادر ينصب له لواءٌ يوم القيامة، يقال: هذا غدرة فلان )).
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : «من خرج من طاعة ، وفارق الجماعة ، فمات مات ميتته جاهلية » .رواه مسلم برقم (2867)


وهو في كتاب الفتن من ((صحيح البخاري)) بالقصة نفسها. قال الحافظ ابن حجر –رحمه الله- في الفتح (13/68): (( وفي الحديث وجوب طاعة الإمام الذي انعقدت له البيعة، والمنع من الخروج عليه ولو جار في حكمه، وإنه لا ينخلع بالفسق )).

قال ابن العربي المالكي –رحمه الله- : وقد قال ابن الخياط : (( إن بيعة عبد الله بن عمر رضي الله عنه ليزيد كانت كرهاً. وأين يزيد من ابن عمر؟ ولكن رأى بِدِينِه وعلمه التسليم لأمر الله، والفرار من التعرض لفتنة فيها ذهاب الأموال والأنفس ما لا يفي بخلع يزيد، لو تحقق أن الأمر يعود في نصابه، فكيف ولا يعلم ذلك؟
قال: وهذا أصل عظيم، فتفهموه والزموه، ترشدوا – إن شاء الله -)). انتهى من ((الاعتصام)) للشاطبي (3/46-47)

قال حنبل –رحمه الله- [السنة للخلال (ص113)] : (( اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله وقالوا له: إن الأمر تفاقم وفشا –يعنون: إظهار القول بخلق القرآن، وغير ذلك- ولا نرضى بإمارته، ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار في قلوبكم، ولا تخلعوا يداً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دمائكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌ، ويستراح من فاجر. وقال: ليس هذا – يعني: نزع أيديهم من طاعته– صواباً، هذا خلاف الآثار )).
قال الإمام البربهاري –رحمه الله- : فمن السنة لزوم الجماعة و من رغب غير الجماعة وفارقها فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه وكان ضالا مضلا .[شرح السنة ص 21]


فـصـل :
في من غلب فتولى الحكم واستُـتب لـه؛ فهـو إمـام تجب بيعته وطاعته، وتحرم منازعته ومعصيته

قال الإمام أحمد بن حنبل في العقيدة التي رواها عنه عبدوس بن مالك العطار [الأحكام السلطانية: (ص23)]: (( … ومن غلب عليهم – يعني: الولاة – بالسيف؛ حتى صار خليفة، وسمَّي أمير المؤمنين؛ فلا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يبيت ولا يراه إماماً؛ براً كان أو فاجراً )).
واحتج بما ثبت عن ابن عمر أنه قال: (( … وأصلي وراء من غلب )).

قال شيخ الإسلام ابن تيمية ـ رحمه الله ـ: <ولعلّه لا يكاد يُعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلاّ وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته>. منهاج السنة النبوية (3/391)



وقال - رحمة الله - في مجموع الفتاوى 35/12 : (وأما أهل العملوالدين والفضل فلا يرخصون لأحد فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه كما قد عرف من عادات السنة والدين قديما وحديثا ومن سيرة غيرهم) .

وقد حكى الإجماع على ذلك الحافظ بن حجر في الفتح فقال: (( وقد أجمع الفقهاء على وجوب طاعة السلطان المتغلب، والجهاد معه، وأن طاعته خير من الخروج عليه؛ لما في ذلك من حقن الدماء، وتسكين الدهماء )).
وقد حكى الإجماع – أيضاً- الإمام محمد بن عبد الوهاب –رحمه الله تعالى - فقال: (( الأمة مجمعون من كل مذهب على أن من تغلب على بلد – أو بلدان – له حكم الإمام في جميع الأشياء … )).


وقال الشيخ عبد اللطيف آل الشيخ في [مجموعة الرسائل والمسائل النجدية(3/168)]: (( وأهل العلم … متفقون على طاعة من تغلب عليهم في المعروف، يرون نفوذ أحكامه، وصحة إمامته، لا يختلف في ذلك اثنان، ويرون المنع من الخروج عليهم بالسيف، وتفريق الأمة، وإن كان الأئمة فسقه، مالم يروا كفراً بواحاً، ونصوصهم في ذلك موجودة عن الأئمة الأربعة وغيرهم وأمثالهم ونظرائهم )).





فـصـل :

في بيان حقوق السلطان على الأمة



قال الإمام بدر الدين ابن جماعة في كتابه: ((تحرير الأحكام في تدبير أهل الإسلام)) (ص61-71) : (( للسلطان والخليفة على الأمة عشرة حقوق:
الحق الأول: بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً، في كلِّ ما يأمر به أو ينهى عنه إلا أن يكون معصية؛ قال الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } ، وأولو الأمر هم: الإمام ونوّابه –عند الأكثرين-. وقال النبي : (( السمع والطاعة على المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية )). فقد أوجب الله تعالى ورسوله: طاعة ولي الأمر، ولم يستثن منه سوى المعصية، فبقي ما عداه على الامتثال.
الحق الثاني: بذل النصيحة له سراً وعلانية. قال رسول الله : (( الدين النصيحة))، قالوا: لمن؟ قال: (( لله، ولرسوله ، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم )).([1])
الحق الثالث: القيام بنصرتهم باطنا وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين، وكف أيدي المعتدين.
الحق الرابع: أن يعرف له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم؛ فليس من السنة.
الحق الخامس: إيقاضه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته؛ شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه.
الحق السادس: تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى، أو خارجيٍّ يخاف عليه منه، ومن كل شيءٍ يخاف عليه منه –على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه-؛ فإن ذلك من آكد حقوقه وأوجبها.
الحق السابع: إعلامه بسيرة عماله، الذين هو مطالب بهم، ومشغول الذمة بسبهم؛ لينظر لنفسه في خلاص ذمته؛ وللأمة في مصالح ملكه ورعيته.
الحق الثامن: إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة، ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } ، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمر.
الحق التاسع: ردٌّ القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه؛ لما في ذلك من مصالح الأمة، وانتظام أمور الملة.
الحق العاشر: الذب عنه بالقول والفعل، وبالمال والنفس والأهل في الظاهر والباطن، والسر والعلانية.
وإذا وفّت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها؛ صفت القلوب وأخلصت، واجتمعت الكلمة وانتصرت )).

فـصـل:

في كـيـفـيـة الإنـكـار عـلـى الأمـراء



الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أصل من أصول الدين، به يظهر الخير ويعم، ويختفي الباطل ويضمحل.
وقد كان موقف سلفنا الصالح من المنكرات الصادرة من الحكّام وسطاً بن طائفتين:
أحدهما: الخوارج والمعتزلة، الذين يرون الخروج على السلطان إذا فعل منكراً.
والأخرى: الروافض الذين أضفوا على حكامهم القداسة، حتى بلغوا بهم مرتبة العصمة.
وكلا الطائفتين بمعزل عن الصواب، وبمنأى عن صريح السنة والكتاب. ووفق الله أهل السنة والجماعة –أهل الحديث- إلى عين الهدى والحق، فذهبوا إلى وجوب إنكار المنكر، لكن بالضوابط الشرعية التي جاءت بها السنة، وكان عليها سلف هذه الأمة. ومن أهم ذلك وأعظمه قدراً أن يناصح ولاة الأمر سراً فيما صدر عنهم من منكرات، ولا يكون ذلك على رؤوس المنابر وفي مجامع الناس، لما ينجم عن ذلك –غالباً- من تأليب العامة، وإثارة الرعاع، وإشعال الفتنة.

يقول العلامة الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز –رحمه الله تعالى: (( ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة وذكر ذلك على المنابر، لأن ذلك يفضي إلى الفوضى، وعدم السمع والطاعة في المعروف، ويفضي إلى الخوض الذي يضر ولا ينفع. ولكن الطريقة المتبعة عند السلف: النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجّه إلى الخير)).
وهذا الذي قرره الشيخ – رحمه الله تعالى- هو امتداد لما عليه السلف الصالح من الصحابة والتابعين ومن سلك مسلكهم من أهل العلم والدين.
ففي مسند الإمام أحمد: أن عياض بن غنم جلد صاحب (دارا) حين فتحت، فأغلظ له هشام بن حكيم القول، حتى غضب عياض، ثم مكث ليالي، فأتاه هشام بن حكيم، فاعتذر إليه، ثم قال هشام لعياض: ألم تسمع النبي يقول: (( إن من أشد الناس عذاباً أشدهم عذاباً في الدنيا للناس )). فقال عياض بن غنم: يا هشام بن حكيم! قد سمعنا ما سمعت، ورأينا ما رأيت، أولم تسمع رسول الله ويقول: (( من أراد أن ينصح لسلطان بأمر فلا يبد له علانية، ولكن ليأخذ بيده، فيخلو به، فإن قبل منه فذاك، وإلا كان قد أدى الذي عليه له))، وإنك يا هشام لأنت الجريء إذ تجترئ على سلطان الله –تبارك تعالى-.)) صححه الألباني في ((ظلال الجنة)) (2/521-522).

قال الشوكاني في ((السيل الجرار)) (4/556): (( ينبغي لمن ظهر له غلط الإمام في بعض المسائل أن يناصحه، ولا يظهر الشناعة عليه على رؤوس الأشهاد. بل كما ورد في الحديث: أنه يأخذ بيده ويخلو به، ويبذل له النصيحة، ولا يذل سلطان الله. وقد قدمنا: أنه لا يجوز الخروج على الأئمة، وإن بلغوا في الظلم أيّ مبلغ ما أقاموا الصلاة، ولم يظهر منهم الكفر والبواح. والأحاديث الواردة في هذا المعنى متواترة )).

سأل أبو الحارث الإمام أحمد رحمه الله في أمر كان حدث في بغداد، وهمَّ قوم بالخروج ،قال قلت: يا أبا عبد الله ما تقول في الخروج مع هؤلاء القوم؟ فأنكر ذلك عليهم وجعل يقول: "سبحان الله الدماء الدماء، لا أرى ذلك ولا آمر به، الصبر على ما نحن فيه خير من الفتنة يُسفك فيها الدماء ويستباح فيها الأموال وينتهك فيها المحارم، أما علمت ما كان الناس فيه -يعني أيام الفتنة-".
قلت: والناس اليوم أليس هم في فتنة يا أبا عبد الله؟ قال: "وإن كان فإنما هي فتنة خاصة، فإذا وقع السيف عمَّت الفتنة وانقطعت السبل، الصبر على هذا ويسلم لك دينك خير لك"، ورأيته ينكر الخروج على الأئمة وقال: الدماء لا أرى ذلك ولا آمر به. السنة للخلال (89)

وفي طبقات ابن أبي يعلى (1/144) في ترجمة حنبل بن إسحق -ابن عم الإمام أحمد-: "قال حنبل: اجتمع فقهاء بغداد إلى أبي عبد الله في ولاية الواثق، وشاوروه في ترك الرضا بإمرته وسلطانه فقال لهم: عليكم بالنُّكرة في قلوبكم ولا تخلعوا يدًا من طاعة ولا تشقوا عصَا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين، وذكر الحديث عن النبي ﷺ: "إن ضربك فاصبر؛ فأمر بالصبر". اهـ
والواثق هو ابن المعتصم سار على نهج أبيه في القول بخلق القرآن، وأن الله لا يُرى في الآخرة، وامتحن الناس على ذلك، وقتل أحمد بن نصر الخزاعي -رحمه الله- أحد أصحاب الإمام أحمد-رحمه الله-، ومع هذا لم يأمر أحمد بالخروج عليه، أو الثورة على ظلمه؛ وذلك حفظًا لدماء المسلمين،ودرأً للفتنة.


وأخرج البخاري، ومسلم في ((صحيحيهما))، عن أسامة بن زيد، أنه قيل له: ألا تدخل على عثمان لتكلمه؟ فقال: (( أترون أني لا أكلمه إلا أسمعكم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أوّل من فتحه )).

وذكر الحافظ ابن رجب في (جامع العلوموالحكم1/225) أن ابن عباس - رضي الله عنهما - سئل عن أمر السلطان بالمعروف ونهيه عنالمنكر . فقال (إن كنت فاعلاً ولابد ففيما بينك وبينه ) .
وقيل : سمع الحسن - رحمه الله - رجلا يدعو على الحجاج، فقال : لا تفعل _رحمك الله _إنكم من أنفسكم أتيتم إنمانخاف إن عزل الحجاج أو مات: أن تليكم القردة والخنازير . [آداب الحسن البصري لابن الجوزي 116]

قال ابن الصلاح - رحمه الله - : ( ومعاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتنبيههم وتذكيرهم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك . (صيانة صحيح مسلم 2/38)
وعَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ قَالَ :قِيلَ لَهُ أَلَا تَدْخُلُ عَلَى عُثْمَانَ فَتُكَلِّمَهُ فَقَالَ أَتَرَوْنَ أَنِّي لَا أُكَلِّمُهُ إِلَّا أُسْمِعُكُمْ وَاللَّهِ لَقَدْ كَلَّمْتُهُ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَهُ دُونَ أَنْ أَفْتَتِحَ أَمْرًا لَا أُحِبُّ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ فَتَحَهُ ".رواه البخاري برقم (6685) ومسلم برقم (2989) واللفظ له
قال الشيخ ابن باز معلقاً على أثر أسامة رضي الله عنه :" لما فتحوا الشر في زمن عثمان رضي الله عنه و أنكروا على عثمان رضي الله عنه جهرة تمت الفتنة و القتال و الفساد الذي لا يزال الناس في آثاره إلى اليوم حتى حصلت الفتنة بين علي و معاوية و قتل عثمان و على بأسباب ذلك و قتل جم كثير من الصحابة و غيرهم بأسباب الإنكار العلني و ذكر العيوب علناً حتى أبغض الناس ولي أمرهم و حتى قتلوه نسأل الله العافية ". المعلوم23 و المعاملة 44 .

قال العلامة الألباني في تعليقه على ((مختصر صحيح مسلم)) (335): (( يعني: المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملاء؛ لأن في الإنكار جهاراً ما يخشى عاقبته، كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله ))

و قال الشيخ ابن باز :" الطريقة المتبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم و بين السلطان و الكتابة إليه أو الاتصال بالعلماء الذين يتصلون به حتى يوجه إلى الخير . المعلوم 22



فـصـل :

فـي الـصـبر عـلـى جـور الأئـمـة وظلمهم

قال شيخ الإسلام ابن تيمية في ((الفتاوى)) (28/179) ( الصبر على جور الأئمة أصل من أصول أهل السنة والجماعة )).
أخرج البخاري في صحيحه (5/13) ومسلم في صحيحه(3/1477) عن عبد الله بن عباس – رضي الله عنهما-، أن النبي قال: (( من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر؛ فإنه من فارق الجماعة شبراً، فمات؛ فميتةُ جاهلية)).
قال ابن مجلزة رحمه الله : (( المراد بالمفارقة السعي في حل عقد البيعة التي حصلت لذلك الأمير، ولو بأدنى شيء، فكنى بمقدار الشبر، لأن الأخذ في ذلك يؤول إلى سفك الدماء بغير حق )).

جاء في ((الشريعة)) للآجري (ص38) : عن عمرو بن يزيد، أنه قال: ((سمعت الحسن –أيام يزيد بن المهلب يقول - وأتاه رهط - فأمرهم أن يلزموا بيوتهم، ويغلقوا عليهم أبوابهم، ثم قال: (( والله لو أن الناس إذا ابتلوا من قبل سلطانهم صبورا ما لبثوا أن يرفع الله –عز وجل- ذلك عنهم، وذلك أنهم يفزعون إلى السيف، فيوكلون إليه، ووالله ما جاؤوا بيوم خيرٍ قط، ثم تلا: { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَآئِيلَ بِمَا صَبَرُواْ وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُواْ يَعْرِشُونَ } )).
وقيل: سمع الحسن رجلاً يدعو على الحجاج، فقال: (( لا تفعل – رحمك الله- ؛ إنكم من أنفسكم أٌتيتم، إنما نخاف إن عزل الحجاج أو مات: أن تليكم القردة الخنازير )). آداب الحسن البصري لابن الجوزي ص 116
تليكم : تحكمكم وتتولى أمركم

فـصـل:

فـي الـنـهـي عـن ســب الأمــراء

الوقيعة في أعراض الأمراء، والاشتغال بسبهم، وذكر معايبهم خطيئة كبيرة، وجريمة شنيعة، نهى عنها الشرع المطهر، وذم فاعلها. وهي نواة الخروج على ولاة الأمر، الذي هو أصل فساد الدين والدنيا معاً.
وقد عُلِمَ أن الوسائل لها أحكام المقاصد، فكل نص في تحريم الخروج وذم أهله، دليل على تحريم السب، وذم فاعله.

أخرج الترمذي في سننه (7/149)، عن زياد بن كسيب العدوي، قال: كنت مع أبي بكرة تحت منبر ابن عامر –وهو يخطب وعليه ثياب رقاق-، فقال أبو بلال: أنظروا إلى أميرنا يلبس ثياب الفساق. فقال أبو بكرة: اسكت؛ سمعت رسول الله يقول: (( من أهان سلطان الله في الأرض أهانه الله )). حسنه الألباني في ((السلسلة الصحيحة)) (5/376).

وأخرج ابن أبي عاصم في السنة (2/488)، عن أنس بن مالك، قال: نهانا كبراؤنا من أصحاب رسول الله قال: (( لا تسبوا أمراءكم، ولا تغشّوهم، ولا تبغضوهم، واتقوا الله واصبروا؛ فإن الأمر قريب )). وإسناده جيد.

وعن عمرو البكالي قال: سمعت رسول الله يقول: (( إذا كان عليكم امراء يأمرونكم بالصلاة والزكاة؛ حلت لكم الصلاة خلفهم، وحرم عليكم سبهم )). قال الحافظ ابن حجر في الإصابة (7/152) : سنده صحيح
وأخرج البيهقي في ((شعب الإيمان)) (7/48)، عن ابي الدرداء –رضي الله عنه-، أنه قال: (( إن أوّل نفاق المرء طعنه في إمامه )).

وأخرج ابن سعد في ((الطبقات)) (6/115): عن هلال بن أبي حميد، قال: سمعت عبد الله بن عكيم يقول: (( لا أعين على دم خليفة أبداً بعد عثمان )). فيقال له: يا أبا معبدٍ أو أعنت على دمه؟! فيقول: (( إني أعد ذكر مساويه عونا على دمه )). إسناده صحيح.
وقيل : سمع الحسن - رحمه الله - رجلا يدعو على الحجاج، فقال : لا تفعل _رحمك الله _إنكم من أنفسكم أتيتم إنمانخاف إن عزل الحجاج أو مات: أن تليكم القردة والخنازير . [آداب الحسن البصري لابن الجوزي 116]

فمن خالف هذا المنهج السلفي، واتبع هواه، فلا ريب أن قلبه مليء بالغلّ، إذ إنَّ السباب والشتام ينافي النصح للولاة، وقد ثبت عن النبي أنه قال: (( ثلاث لا يغل عليهن قلب امرئٍ مسلم: إخلاص العمل لله، ومناصحة ولاة الأمر، ولزوم جماعة المسلمين )).

قال الشيخ عبد الرحمن السعدي - رحمه الله تعالى - : على الناس أن يغضوا عن مساويهم – أي الملوك والأمراء - ولا يشتغلوا بسبهم بل يسألون الله لهم التوفيق ؛ فإن سب الملوك والأمراء فيه شر كبير وضرر عام وخاص وربما تجد السَّاب لهم لم تحدثه نفسه بنصيحتهم يوماً من الأيام وهذا عنوان الغش للراعي والرعية اهـ. [ نور البصائر والألباب (66)].

و قال الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى :" ليس من منهج السلف التشهير بعيوب الولاة و ذكر ذلك على المنابر لأن ذلك يفضي إلى الانقلابات و عدم السمع و الطاعة في المعروف و يفضي إلى الخروج الذي يضر و لا ينفع " . المعلوم 22 و المعاملة 43.



أول مـن بـدأ بـالـطـعـن عـلـى أئـمـة الـمـسـلـمـيـن وولاتهم

الطعن في الأمراء –تحت شعار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر- بدعة سَبَئِيَة، ابتدأها عبد الله بن سبأ؛ لتفريق الأمة، وإشعال الفتن بين أبنائها، وكان نتاج بدعته هذه: قتل خليفة المسلمين عثمان بن عفان رضي الله عنه.


فـصـل:
في عقوبة المثبط عن ولي الأمر والمثير عليه

التثبيط عن ولي الأمر له صور عديدة، بعضها أشد من بعض، وكذا إثارة الرعية عليه.
فإذا دعا رجل إلى التثبيط –أو الإثارة-، فإن لوليِّ الأمر إيقاع العقوبة المتلائمة مع جرمه؛ من ضرب، أو حبس، أو نفي … لأن التثبيط والإثارة من أعظم مقدمات الخروج، والخروج من أشنع الجرائم وأبشعها؛ فكان ما يفضي إليه كذلك.

قال الشوكاني –رحمه الله- في ((السيل الجرار)) (4/514): في شرح قول صاحب ((الأزهار)): ((ويؤدب من يثبط عنه أو ينفى، ومن عاداه فبقلبه مخطئ، وبلسانه فاسق، وبيده محارب))،
قال( وأما قوله: ويؤدب من يثبط عنه؛ فالواجب دفعه عن هذا التثبيط، فإن كفّ، وإلا كان مستحقاً لتغليظ العقوبة، والحيلولة بينه وبين من صار يسعى لديه بالتثبيط، بحبس أو غيره؛ لأنه مرتكب لمحرم عظيم، وساع في إثارة فتنة تراق بسببها الدماء، وتهتك عندها الحرم، وفي هذا التثبيط نزعٌ ليده من طاعة الإمام. وقد ثبت في الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم، إنه قال: (( من نزع يده من طاعة الإمام، فإنه يجيء يوم القيامة ولا حجة له، ومن مات وهو مفارق للجماعة؛ فإنه يموت موتة جاهلية)).

وقال ابن فرحون في ((تبصرة الحكام)) (1/227): (( ومن تكلم بكلمة لغير موجب في أمير من أمراء المسلمين؛ لزمته العقوبة الشديدة، ويسجن شهراً. ومن خالف أميراً، وقد كرر دعوته؛ لزمته العقوبة الشديدة بقدر اجتهاد الإمام)). اهـ.
قال الإمام أحمد-رحمه الله-:« ومن خرج على إمام من أئمة المسلمين وقد كان الناس اجتمعوا عليه وأقروا له بالخلافة بأي وضع كان بالرضا أو بالغلبة فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين وخالف الآثار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فان مات الخارج عليه مات ميتة جاهلية. ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة والطريق». طبقات الحنابلة (1/244)
وقال أيضا : ولا يحل قتال السلطان ولا الخروج عليه لأحد من الناس فمن فعل ذلك فهو مبتدع على غير السنة. [أصول السنة ج1/ص46]

قال اللالكائي : ويحل قتال الخوارج واللصوص إذا عرضوا للرجل في نفسه وماله أو ما دون نفسه فله أن يقاتل عن نفسه وماله حتى يدفع عنه في مقامه وليس له إذا فارقوه أو تركوه أن يطلبهم ولا يَتَبِع آثارهُم وقد سَلِمَ مِنْهُم ذَلِكَ إلى اللأئمة إنما هو يدفع عن نفسه في مقامه وينوي بجهده أن لا يقتل أحدا فإن أتى على يده في دفعه عن نفسه في المعركة فأبعد الله المقتول وإن قتل هو في ذلك الحال وهو يدفع عن نفسه وماله رجونا له الشهادة كما في الأثر. اعتقاد أهل السنة ج1/ص168


وبهذا يعلم أن إثارة الرعية على الولاة، وتأليب العامة عليهم، داء عضال، تجب المبادرة إلى كيه، وورم خبيث يتعين استئصاله، لئلا يستفحل فيخرج خبثه، فيستحكم البلية وتعظم الرزية، ولا ينفع الندم عندئذٍ.


فـصـل:
في مشروعية الدعاء لولاة الأمر بالصلاح

صلاح ولاة الأمر مطلبٌ لكل مسلم غيور على دينه، إذ صلاحهم صلاح للعباد والبلاد، ولقد اعتنى علماء المسلمين بهذه القضية عنايةً واضحة، وتجلت في صور ناصعةٍ رائعةٍ، منها:
أولاً : إيداع الأمر بالدعاء لهم في مختصرات العقائد، التي يطالب المسلم باعتقاد ما فيها.

ثانياً : جعل بعض العلماء المحققين علامة من كان سنياً سلفياً: الدعاء لولاة الأمر، وعكسه من كان مبتدعاً ضالاً، دعا على ولاة الأمر.
• وإليك –أيها الموفق- بعضاً مما جاء عن أهل السنة المرضيين في ذلك:

قال ابن رجب –رحمه الله - :«والنصيحة لأئمة المسلمين معاونتهم على الحق وطاعتهم فيه وتذكيرهم به وتنبيههم في رفق ولطف ومجانبة الوثوب عليهم والدعاء لهم بالتوفيق وحث الأغيار على ذلك» ،جامع العلوم والحكم (1/80)




قال شيخ الإسلام - رحمه الله - (الفتاوى 28/390) :- ولهذا كان السلف - كالفضيل بن عياضوأحمد بن حنبل وغيرهم يقولون : (لو كان لنا دعوة مستجابة لدعونا بها للسلطان ) .
قال الإمام الطحاوي : ولا نرى الخروج على أئمتنا و ولاة أمورنا وإن جاروا ولا ندعوا عليهم ولا ننزع يداً من طاعتهم ، ونرى طاعتهم من طاعة الله عز وجل فريضة مالم يأمروا بمعصية ، وندعو لهم بالصلاح و المعافاة


قال الإمام البربهاري –رحمه الله- في ((شرح السنة)) (ص113): (( وإذا رأيت الرجل يدعو على السلطان؛ فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا رأيت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح؛ فاعلم أنه صاحب سنة –إن شاء الله-)).

- أخرج أبو نعيم في الحلية : عن عبد الصمد البغدادي قال: سمعت الفضيل بن عياض يقول: (( لو أن لي دعوة مستجابة، ما صيرتها إلا في الإمام. قيل: وكيف ذلك يا أبا عليّ؟، قال: متى صيرتها في نفسي لم تجزني، ومتى صيرتها في الإمام –يعنى: عمّت-؛ فصلاح الإمام صلاح العباد والبلاد … فقبل ابن المبارك جبهته، وقال: يا معلم الخير! من يحسن هذا غيرك؟ )). واسناده صحيح.

- أخرج الخلاّل في ((السنة)) (1/83) : أن الإمام أحمد قال عن الإمام: ((وإني لأدعو له بالتسديد والتوفيق في الليل والنهار، والتأييد، وأرى ذلك واجباً علي)).
وقال: (( لئن حدث به حدث؛ لتنظرن ما يحلُّ بالإسلام)).

- قال ابو عثمان الصابوني، المتوفى سنة (449) في ((عقيدة السلف أصحاب الحديث)): ((ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح، وبسط العدل في الرعية)).
عن عياض بن غنم الأشعري أنه قال لحكيم بن هشام ألم تسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول « من كان عنده نصيحة لذي سلطان فلا يكلمه علانية وليخلو به فإن قبلها وإلا أدى ما عليه وله» ، التاريخ الكبير (7/18)

رســــالــــة مــــهــــمــــة
من رسائل العالم العلامة سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رحمه الله تعالى
من محمد بن إبراهيم إلى حضرة المكرم الشيخ … … … المحترم سلمه الله
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته،،،
بلغني أن موقفك مع الأمارة ليس كما ينبغي، وتدري -بارك الله فيك- أن الأمارة ما قصد بها إلا نفع الرعية، وليس شرطها أن لا يقع منها زلل، والعاقل بل وغير العاقل يعرف أن منافعها وخيرها الديني والدنيوي يربو على مفاسدها بكثير، ومثلك إنما منصبه منصب وعظ وإرشاد وإفتاء بين المتخاصمين، ونصيحة الأمير والمأمور بالسر، وبنيّة خالصة، تعرف فيها النتيجة النافعة للإسلام والمسلمين. ولا ينبغي أن تكون عثرة الأمير – أو العثرات- نصب عينيك والقاضية على فكرك، والحاكمة على تصرفاتك، بل في السر قم بواجب النصيحة، وفي العلانية أظهر وصرح بما أوجبه الله من حق الأمارة والسمع والطاعة لها؛ وإنها لم تأت لجباية أموال وظلم دماء وأعراض من المسلمين، ولم تفعل ذلك أصلاً، إلا أنها غير معصومة فقط. فأنت كن وأياها أخوين؛ أحدهما: مبيّن واعظ ناصح، والآخر: باذل ما يجب عليه، كافُّ عن ما ليس له؛ إن أحسن دعا له بالخير ونشط عليه، وإن قصر عومل بما أسلفت لك. ولا يظهر عليك عند الرعية -ولا سيّما المتظلمين بالباطل- عتبك على الأمير وانتقادك إياه؛ لأن ذلك غير نافع الرعية بشيء؛ وغير ما تعبّدت به، إنما تعبّدت بما قدمت لك ونحوه، وأن تكون جامع شمل لا مشتت، مؤلف لا منفر، واذكر وصية النبي لمعاذ وأبي موسى: (( يسرا ولا تعسرا، وبشرا ولا تنفرا، وتطاوعا ولا تخالفا )). وأنما لم أكتب لك ذلك لغرض سوى النصيحة لك وللأمير ولكافة الجماعة ولإمام المسلمين، والله ولي التوفيق، والسلام عليكم. [مجموع الفتاوى له (12/182)]

وبعد: فهذه جملة مختارة من نصوص الكتاب والسنة وآثار السلف تكفي وتغني لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين




منهج أهل السُّنَّة والجماعة في التعامل مع الحكَّام

1- فعن عياض بن غُنْم –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:" من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية،وليأخذ بيده، فإن سمع منه فذاك وإلاّ كان أدَّى الذي عليه"أخرجه ابن أبي عاصم في" السُّنَّة"(2/507)وصححه الألباني

فهذا الحديث أصل في هذا الباب وبيان لطريقة المناصحة بين الرعية والإمام، وهي أن تكون سراً لا علانية ولا جهاراً

2- قوله –صلى الله عليه وسلم-:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" أخرجه ابو داود والترمذي وابن ماجه"الصحيحه"(491)

فقوله:"عند" تفيد أن كلمة الحق تقال عنده لا خلفه في تجمعات الناس، فإن ذلك لا ينفع الناس شيئاً، بل يزيد من حقد الرعية على راعيها ويُنْشِىْ الفساد، وقد طبَّق السلف-رحمهم الله- هذه الأحاديث، ونُقل عنهم رفقهم بولاة الأمر ومناصحتهم:-

1- فعن أسامة بن زيد-رضي الله عنه- أنه قيل لهمنهج أهل السُّنَّة والجماعة في التعامل مع الحكَّام

1- فعن عياض بن غُنْم –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:" من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية،وليأخذ بيده، فإن سمع منه فذاك وإلاّ كان أدَّى الذي عليه"أخرجه ابن أبي عاصم في" السُّنَّة"(2/507)وصححه الألباني

فهذا الحديث أصل في هذا الباب وبيان لطريقة المناصحة بين الرعية والإمام، وهي أن تكون سراً لا علانية ولا جهاراً

2- قوله –صلى الله عليه وسلم-:"أفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر" أخرجه ابو داود والترمذي وابن ماجه"الصحيحه"(491)

فقوله:"عند" تفيد أن كلمة الحق تقال عنده لا خلفه في تجمعات الناس، فإن ذلك لا ينفع الناس شيئاً، بل يزيد من حقد الرعية على راعيها ويُنْشِىْ الفساد، وقد طبَّق السلف-رحمهم الله- هذه الأحاديث، ونُقل عنهم رفقهم بولاة الأمر ومناصحتهم:-

1- فعن أسامة بن زيد-رضي الله عنه- أنه قيل له:" ألا تدخل على عثمان لتكلِّمهُ؟فقال:أترونِ أني لا أكلمهُ إلا أسْمِعَكُم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه"متفق عليه

وفي هذا فائدة: وهي أن للناصح أن يُظهر لبعض الناس مناصحته لولي الأمر لدفع اعتراض عدم المناصحة، وليُبيِّن لهم أنه يناصحه

قال القاضي عياض-رحمه الله-:"مراد اسامة أن لا يفتح باب المجاهرة بالنَّكير على الإمام لِمَا يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً، فذلك أجدر بالقبول"

قال الإمام الألباني-رحمه الله-:" يعني: المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، لأن في الإنكار جهاراً ما يُخش عاقبته،كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله"

2- وكذلك الإمام مالك-رحمه الله-: حيث قيل له:"إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون، قال: يرحمك الله فاين التكلم بالحق"( " الجرح والتعديل" لابن ابي حاتم1/30(

كأنه يشير الى حديث" أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر" حيث إنه ينصحه ويقول بكلمة الحق أمامه

قال الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله-:

" ليس من منهج السلف التَّشْهير بعيوب الولاة، وذِكْر ذلك على المنابر، لإن ذلك يُفضي إلى الانقلابات وعدم السمع والطاعة في المعروف،ويُفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المُتَّبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتَّصلون به حتى يُوجَّه إلى الخير"

وقال الشيخ -عبد المحسن العبَّاد- حفظه الله-:

"أمَّا إذا خلا النصح من الرفق ولم يكن سراً، بل كان علانية، فإنه يضُرّ ولا ينفع،ومن المعلوم أن أي انسان إذا كان عنده نقص يُحبّ أن يُنصح برفق ولِيْن، وأن يكون ذلك سراً، فعليه أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يُعاملوه به..." إلى أن قال :" والنصح بالطريقة الأولى-يُقصد النصح بالسر-هو المشروع، وهو الذي يُحصل به النفع والفائدة، ولا أحد يمنع هذا، بل لا يستطاع منعه لأنه من الأمور الخفية..."

ويجب التنبه إلى أن الناصح لا يكون من عامة الناس، بل لا بد أن يكون من أهل العلم

النهي عن سبِّهم وغشِّهم ووجوب تعزيرهم وتوقيرهم

فعن أنس-رضي الله عنه-قال:"نهانا كُبراؤنا من اصحاب محمد-صلى الله عليه وسلم-قالوا: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"لا تَسبُّوا أمراءكم ولا تغشُّوهم ولا تبغضوهم ، واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب"أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة"(2/474) بإسناد حسن

وعن أبي مِجْلُز قال:"سبُّ الإمام الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين:أخرجه ابن زنجويه في " الأموال"(1/78) باسناد حسن

يقول الإمام البربهاري:" اذا رايت الرجل يدعو على السلطان ، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سُنَّة إن شاء الله تعالى:"شرح السنة"(ص:116)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:"وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يُرَخِّصُون لأحدٍ فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السُّنَّة قديما وحديثاً ومن سيرة غيرهم"" الفتاوى"(35/12)

مسالة: لا يُعْزل الإمام إذا طرأ عليه الفسق:

من المسائل التي خالف فيها الخوارج-في باب الإمامة- مسالة الفسق الذي يحصل من الإمام، فإنهم يرون عزله بذلك، وهم بذلك يخالفون النصوص الشرعية والآثار السلفية التي تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، حيث جاءت النصوص الشرعية ببيان وجوب الصبر على ولاة الجور وطاعتهم في المعروف:

في ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم- من حديث ابن مسعود:"إنكم سترون بعدي أثرةً وأموراً تنكرونها" قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال:" أدُّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم"

قال النووي-رحمه الله-:"هذا من معجزات النبوة، وقد وقع هذا الإخبار متكرراً، ووجد مخبره متكرراً، وفيه الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالما عسوفاً فيعطى حقه من الطاعة، ولا يُخرج عليه، ولا يُخلع ، بل يُتضرع إلى الله تعالى في كشف اذاه ودفع شره واصلاحه"

وكذلك يدل عليه حديث حذيفة:" يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يسَّتنُون بسنَّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس" قال: كيف اصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال:" تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع"

قال ابن بطال-رحمه الله-:"ومنه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على الأئمة الجورة، ألا ترى عليه السلام وصف أئمة زمان الشر فقال: " دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" فوصفهم بالجور والباطل والخلاف لسنتهِ، لأنهم لا يكونون دعاة على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال...""شرح البخاري"

قال الشوكاني-رحمه الله-:" وفيه دليل على وجوب طاعة الأمراء، وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم" وقال:"والحاصل أنه لم يقم دليل على أنه ينعزل بفعل شيىء من المحرمات، وليس عليه إذا وقع في ذلك من ذلك إلا التوبة الصحيحة الماحية للذنب وكفى بها"

وقد نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- عن الخروج على الإمام حتى يُرى كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، وهذا يدل على عدم عزله بفعل المعاصي

قال شيخ الإسلام- رحمه الله-:" ومن أصول هذا الموضع أن مجرد البغي من إمام أو طائفة لا يوجب قتالهم بل لا يبيحه، بل من الأصول التي دلت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه كما أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- بذلك في غير حديث، فلم ياذن في دفع البغي مطلقاً بالقتال، بل إذا كانت فيه فتنة نهى عن دفع البغي وامر بالصبر"" الاستقامة"(1/32)

وقال ابن كثير –رحمه الله-:" الفاسق لا يجوز خلعه، لأجل ما ثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج كما وقع في زمن الحرة"" البداية والنهاية"(11/652) وانظر" السل الجرار" (4/508) للشوكاني ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب و" الدرر السنية" وقد نقل الإجماع على هذه المسألة طوائف من أهل العلم منهم البخاري" شرح اصول اعتقاد اهل السنة والجماعة"(1/173) للالكائي وابن ابي حاتم" المصدر السابق"(1/176) واسماعيل بن يحيى المزني في " شرح السنة"(84-85) وابن ابي زيد القيرواني وغيرهم

وقال النووي-رحمه الله-:"وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظافرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض اصحابنا: أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضاً، فغلط من قائله مخالف للإجماع" شرح النووي على " صحيح مسلم"

وفي هذا بيان الغلط من نسب القول بالخروج على الإمام الشافعي كإبن حزم وغيره من المعاصرين اليوم! وبيَّن النووي أن هذا وجه لبعض الشافعية وليس قولاً للشافعي، وهذا الوجه ضعيف لمخالفته الإجماع، وكُتُب الشافعية تصرح بعدم انعزال الحاكم عند حدوث الفسق منه .انظر " روضة الطالبين"(7/64)وغيره

وفي هذا القدر كفاية وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم

:" ألا تدخل على عثمان لتكلِّمهُ؟فقال:أترونِ أني لا أكلمهُ إلا أسْمِعَكُم؟ والله لقد كلمته فيما بيني وبينه ما دون أن أفتح أمراً لا أحب أن أكون أول من فتحه"متفق عليه

وفي هذا فائدة: وهي أن للناصح أن يُظهر لبعض الناس مناصحته لولي الأمر لدفع اعتراض عدم المناصحة، وليُبيِّن لهم أنه يناصحه

قال القاضي عياض-رحمه الله-:"مراد اسامة أن لا يفتح باب المجاهرة بالنَّكير على الإمام لِمَا يخشى من عاقبة ذلك، بل يتلطف به وينصحه سراً، فذلك أجدر بالقبول"

قال الإمام الألباني-رحمه الله-:" يعني: المجاهرة بالإنكار على الأمراء في الملأ، لأن في الإنكار جهاراً ما يُخش عاقبته،كما اتفق في الإنكار على عثمان جهاراً، إذ نشأ عنه قتله"

2- وكذلك الإمام مالك-رحمه الله-: حيث قيل له:"إنك تدخل على السلطان وهم يظلمون ويجورون، قال: يرحمك الله فاين التكلم بالحق"( " الجرح والتعديل" لابن ابي حاتم1/30(

كأنه يشير الى حديث" أفضل الجهاد عند الله كلمة حق عند سلطان جائر" حيث إنه ينصحه ويقول بكلمة الحق أمامه

قال الشيخ عبد العزيز بن باز-رحمه الله-:

" ليس من منهج السلف التَّشْهير بعيوب الولاة، وذِكْر ذلك على المنابر، لإن ذلك يُفضي إلى الانقلابات وعدم السمع والطاعة في المعروف،ويُفضي إلى الخروج الذي يضرّ ولا ينفع، ولكن الطريقة المُتَّبعة عند السلف النصيحة فيما بينهم وبين السلطان، والكتابة إليه، أو الاتصال بالعلماء الذين يتَّصلون به حتى يُوجَّه إلى الخير"

وقال الشيخ -عبد المحسن العبَّاد- حفظه الله-:

"أمَّا إذا خلا النصح من الرفق ولم يكن سراً، بل كان علانية، فإنه يضُرّ ولا ينفع،ومن المعلوم أن أي انسان إذا كان عنده نقص يُحبّ أن يُنصح برفق ولِيْن، وأن يكون ذلك سراً، فعليه أن يعامل الناس بمثل ما يحب أن يُعاملوه به..." إلى أن قال :" والنصح بالطريقة الأولى-يُقصد النصح بالسر-هو المشروع، وهو الذي يُحصل به النفع والفائدة، ولا أحد يمنع هذا، بل لا يستطاع منعه لأنه من الأمور الخفية..."

ويجب التنبه إلى أن الناصح لا يكون من عامة الناس، بل لا بد أن يكون من أهل العلم

النهي عن سبِّهم وغشِّهم ووجوب تعزيرهم وتوقيرهم

فعن أنس-رضي الله عنه-قال:"نهانا كُبراؤنا من اصحاب محمد-صلى الله عليه وسلم-قالوا: قال رسول الله-صلى الله عليه وسلم-:"لا تَسبُّوا أمراءكم ولا تغشُّوهم ولا تبغضوهم ، واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب"أخرجه ابن أبي عاصم في " السنة"(2/474) بإسناد حسن

وعن أبي مِجْلُز قال:"سبُّ الإمام الحالقة، لا أقول حالقة الشعر ولكن حالقة الدين:أخرجه ابن زنجويه في " الأموال"(1/78) باسناد حسن

يقول الإمام البربهاري:" اذا رايت الرجل يدعو على السلطان ، فاعلم أنه صاحب هوى، وإذا سمعت الرجل يدعو للسلطان بالصلاح فاعلم أنه صاحب سُنَّة إن شاء الله تعالى:"شرح السنة"(ص:116)

قال شيخ الإسلام ابن تيمية-رحمه الله-:"وأما أهل العلم والدين والفضل فلا يُرَخِّصُون لأحدٍ فيما نهى الله عنه من معصية ولاة الأمور وغشهم والخروج عليهم بوجه من الوجوه، كما قد عُرِف من عادات أهل السُّنَّة قديما وحديثاً ومن سيرة غيرهم"" الفتاوى"(35/12)

مسالة: لا يُعْزل الإمام إذا طرأ عليه الفسق:

من المسائل التي خالف فيها الخوارج-في باب الإمامة- مسالة الفسق الذي يحصل من الإمام، فإنهم يرون عزله بذلك، وهم بذلك يخالفون النصوص الشرعية والآثار السلفية التي تدل على خلاف ما ذهبوا إليه، حيث جاءت النصوص الشرعية ببيان وجوب الصبر على ولاة الجور وطاعتهم في المعروف:

في ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم- من حديث ابن مسعود:"إنكم سترون بعدي أثرةً وأموراً تنكرونها" قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال:" أدُّوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم"

قال النووي-رحمه الله-:"هذا من معجزات النبوة، وقد وقع هذا الإخبار متكرراً، ووجد مخبره متكرراً، وفيه الحث على السمع والطاعة، وإن كان المتولي ظالما عسوفاً فيعطى حقه من الطاعة، ولا يُخرج عليه، ولا يُخلع ، بل يُتضرع إلى الله تعالى في كشف اذاه ودفع شره واصلاحه"

وكذلك يدل عليه حديث حذيفة:" يكون بعدي أئمة لا يهتدون بهداي، ولا يسَّتنُون بسنَّتي، وسيقوم فيهم رجال قلوبهم قلوب الشياطين في جثمان إنس" قال: كيف اصنع يا رسول الله إن أدركت ذلك؟ قال:" تسمع وتطيع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك فاسمع وأطع"

قال ابن بطال-رحمه الله-:"ومنه حجة لجماعة الفقهاء في وجوب لزوم جماعة المسلمين وترك القيام على الأئمة الجورة، ألا ترى عليه السلام وصف أئمة زمان الشر فقال: " دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها" فوصفهم بالجور والباطل والخلاف لسنتهِ، لأنهم لا يكونون دعاة على أبواب جهنم إلا وهم على ضلال...""شرح البخاري"

قال الشوكاني-رحمه الله-:" وفيه دليل على وجوب طاعة الأمراء، وإن بلغوا في العسف والجور إلى ضرب الرعية وأخذ أموالهم" وقال:"والحاصل أنه لم يقم دليل على أنه ينعزل بفعل شيىء من المحرمات، وليس عليه إذا وقع في ذلك من ذلك إلا التوبة الصحيحة الماحية للذنب وكفى بها"

وقد نهى النبي-صلى الله عليه وسلم- عن الخروج على الإمام حتى يُرى كفراً بواحاً عندنا من الله فيه برهان، وهذا يدل على عدم عزله بفعل المعاصي

قال شيخ الإسلام- رحمه الله-:" ومن أصول هذا الموضع أن مجرد البغي من إمام أو طائفة لا يوجب قتالهم بل لا يبيحه، بل من الأصول التي دلت عليها النصوص أن الإمام الجائر الظالم يؤمر الناس بالصبر على جوره وظلمه وبغيه، ولا يقاتلونه كما أمر النبي-صلى الله عليه وسلم- بذلك في غير حديث، فلم ياذن في دفع البغي مطلقاً بالقتال، بل إذا كانت فيه فتنة نهى عن دفع البغي وامر بالصبر"" الاستقامة"(1/32)

وقال ابن كثير –رحمه الله-:" الفاسق لا يجوز خلعه، لأجل ما ثور بسبب ذلك من الفتنة ووقوع الهرج كما وقع في زمن الحرة"" البداية والنهاية"(11/652) وانظر" السل الجرار" (4/508) للشوكاني ومؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب و" الدرر السنية" وقد نقل الإجماع على هذه المسألة طوائف من أهل العلم منهم البخاري" شرح اصول اعتقاد اهل السنة والجماعة"(1/173) للالكائي وابن ابي حاتم" المصدر السابق"(1/176) واسماعيل بن يحيى المزني في " شرح السنة"(84-85) وابن ابي زيد القيرواني وغيرهم

وقال النووي-رحمه الله-:"وأما الخروج عليهم وقتالهم فحرام بإجماع المسلمين، وإن كانوا فسقة ظالمين، وقد تظافرت الأحاديث بمعنى ما ذكرته، وأجمع أهل السنة أنه لا ينعزل السلطان بالفسق، وأما الوجه المذكور في كتب الفقه لبعض اصحابنا: أنه ينعزل، وحُكي عن المعتزلة أيضاً، فغلط من قائله مخالف للإجماع" شرح النووي على " صحيح مسلم"

وفي هذا بيان الغلط من نسب القول بالخروج على الإمام الشافعي كإبن حزم وغيره من المعاصرين اليوم! وبيَّن النووي أن هذا وجه لبعض الشافعية وليس قولاً للشافعي، وهذا الوجه ضعيف لمخالفته الإجماع، وكُتُب الشافعية تصرح بعدم انعزال الحاكم عند حدوث الفسق منه .انظر " روضة الطالبين"(7/64)وغيره


هدى السلف فى معاماة الحكاااام
______________________________ __________
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين ، أما بعد:
فإن من المؤسف جهل بعض الناس عن السنن التي شرعها الشارع في التعامل مع ظلم الحكام، وخاض الكثير منهم في هذه المسألة، وأجج الناس، وهيجهم على الحكام، وجعلهم يخوضون معارك ليس لهم بها طاقة، مما أدى إلى القتل والتخريب والدمار الملاحظ في بعض المجتمعات.
وسأذكر في هذا المقال شيئاً من صور تعامل السلف مع الحكام، لعل أن يستفيد منها من يشرح الله صدره للهدى والحق.
وقبل أن أبدأ بذكر هذه الصور، أقدم بمقدمة، أذكر فيها الأدلة من القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ما يدل على وجوب السمع والطاعة لولاة أمور المسلمين، وعدم الخروج عليهم، والصبر على أذاهم، والله الموفق والهادي إلى سواء السبيل.
الدليل من القرآن الكريم:

قال تعالى : (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) (النساء:59)

الأدلة من السنة النبوية المطهرة:

جاء في صحيح مسلم عن نافع قال: جاء عبد الله بن عمر رضي الله عنه إلى عبد الله بن مطيع حين كان من أمر الحرة ما كان زمن يزيد بن معاوية فقال: اطرحوا لأبي عبد الرحمن وسادة فقال إني لم آتك لأجلس أتيتك لأحدثك حديثاً سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقوله . سمعت رسول الله يقول: ( من خلع يداً من طاعة لقي الله يوم القيامة ولا حجة له ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلـــية) صحيح مسلم رقم( 1851)

وعن ابن عباس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ( من كره من أميره شيئاً فليصبر عليه فإنه ليس أحد من الناس خرج من السلطان شبراً فمات عليه إلا مات ميتة جاهلية). صحيح مسلم رقم( 1849).

وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: ( من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية ومن قاتل تحت راية عمية يغضب لعصبية أو يدعوا لعصبية أو ينصر عصبية فقتل فقتلته جاهلية ومن خرج على أمتي يضرب برها وفاجرها ولا يتحاشا من مؤمنها ولا يفي لذي عهد عهده فليس مني ولست منه). صحيح مسلم رقم( 1848).

وفي صحيح مسلم أيضاً عن أبي إدريس الخولاني قال: سمعت حذيفة ابن اليمان رضي الله عنه يقول : ( كان الناس يسألون رسول الله عن الخير وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني فقلت: يارسول الله إنا كنا في جاهلية وشر فجاءنا الله بهذا الخير فهل بعد هذا الخير شر؟ قال : نعم فقلت : فهل بعد ذلك الشر من خير؟ قال : نعم وفيه دخن قلت وما دخنه ؟ قال: قوم يستنون بغير سنتي ويهدون بغير هدي تعرف منهم وتنكر فقلت : فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال : نعم دعاة على أبواب جهنم من أجابهم إليها قذفوه فيها فقلت: يا رسول الله فما ترى إن أدركني ذلك ؟ قال: تلزم جماعة المسلمين وإمامهم فقلت : فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام ؟ قال: فاعتزل تلك الفرق كلها ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يدركك الموت وأنت على ذلك). صحيح مسلم رقم ( 1847).

وفي صحيح مسلم عن عرفجة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إنها ستكون هنات وهنات فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع فاضربوه بالسيف كائناًمن كان). صحيح مسلم باب حكم من فرق أمر المسلمين وهي مجتمعة.
قال رسول الله : ( لا تسبوا أمراءكم ولا تغشوهم ولا تبغضوهم واتقوا الله واصبروا فإن الأمر قريب). حديث صحيح رواه ابن أبي عاصم وصححه الألباني.
وعن عياض بن غنيم رضي الله عنه قال : قال رسول الله : ( من أراد أن ينصح لذي سلطان فلا يبده علانية وليأخذ بيده فإن سمع منه فذاك وإلا كان أدى الذي عليه). حديث صحيح رواه أحمد وابن أبي عاصم والحاكم والبيهقي وصححه الألباني

ويا للعجب من بعض شباب هذا الزمان، تذكر لهم هذه الأحاديث، فلا يقيمون لها وزناً، بل وصل الحال ببعضهم إلى الاستهزاء بها. فتعجب لحالهم، يطالبون الحكام بتحكيم شرع الله، وهم لم يحكموا شرع الله في أنفسهم، وها هي نصوص القرآن الكريم، والسنة النبوية، تدعو للسمع والطاعة لولاة الأمر والصبر واحتساب الأجر على أذيتهم ، وعدم الخروج عليهم، وعدم سبهم وشتمهم .
فيا شباب الإسلام، يقول الله تعالى : (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) (النساء:65) ويقول: (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ) (المائدة:92



يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في منهاج السنة في معرض كلامه عن ذلك ما يلي ولهذا كان المشهور من مذهب أهل السنة أنهم لايرون الخروج على الأئمة وقتالهم بالسيف وإن كان فيهم ظلم ، كما دلت على ذلك الأحاديث الصحيحة المستفيضة عن النبي صلى الله عليه وسلم لأن الفساد في القتال والفتنة أعظم من الفساد الحاصل بظلمهم بدون قتال ولا فتنة. فلا يدفع أعظم الفسادين بالتزام أدناهما ولعله لا يكاد يعرف طائفة خرجت على ذي سلطان إلا وكان في خروجها من الفساد ما هو أعظم من الفساد الذي أزالته) [ منهاج السنة النبوية: 3/390].

وأما الآن أتركك – أخي القارئ – مع هذه الصور التي سطّرها لنا التاريخ:

صورة من تعامل الإمام أحمد مع ظلم الحاكم:

اجتمع فقهاء بغداد في ولاية الواثق إلى أبي عبد الله، وقالوا له: إن الأمر قد تفاقهم وفشا – يعنون إظهار القول بخلق القرآن وغير ذلك – ولا نرضى بإمرته ولا سلطانه، فناظرهم في ذلك، وقال: عليكم بالإنكار بقلوبكم ولا تخلعوا يدً من طاعة، ولا تشقوا عصا المسلمين، ولا تسفكوا دماءكم ودماء المسلمين معكم، وانظروا في عاقبة أمركم، واصبروا حتى يستريح برٌّ، أو يُستراح من فاجر. وقال: ليس هذا بصواب ، هذا خلاف الآثار.

وقال المرذوي: سمعتُ أبا عبد الله يأمر بكف الدماء وينكر الخروج إنكاراً شديداً، وقال في رواية إسماعيل بن سعيد: الكفُّ لأنا نجدُ عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما صلوا فلا". خلافاً للمتكلمين فيجواز قتالهم كالبغاة. [الآداب الشرعية (1/237)]

صورة من وصية السلف لأبناءهم في مسألة الحكام:

قال عمرو بن العاص لابنه: يا بني احفظ عني ما أوصيك به: إمامٌ عدلٌ خيرٌ من مطرٍ وابلٍ، وأسدٌ حطوم خيرٌ من إمام ظلوم، وإمام ظلومٌ غشوم خيرٌ من فتنةٍ تدوم. [الآداب الشرعية (1/238)]

توجيه ابن الجوزي حول مسألة نصح الحكام
قال ابن الجوزي: الجائز من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع السلاطين التعريف والوعظ، فأما تخشينُ القولِ نحو: يا ظالم، يا من لا يخاف الله، فإن كان ذلك يُحركُ فتنةً يتعدى شرها إلى الغير، لم يجز، وإن لم يخف إلا على نفسه فهو جائز عند جمهور العلماء.
قال: والذي أراه المنع من ذلك، لأن المقصود إزالة المنكر، وحمل السلطان بالانبساط عليه على فعل المنكر أكثر من فعل المنكر الذي قصد إزالته. قال الإمام أحمد رحمه الله: لا يُتعرض للسلطان فإن سيفهُ مسلولٌ وعصاه. [الآداب الشرعية (1/238(
صورة من وعظ السلف بحضور الخليفة
وعظ ابن الجوزي في سنة أربع وسبعين وخمس مئة بحضور الخليفة المستضيء بأمر الله وقال: لو أني مثلتُ بين يدي السدةِ الشريفة لقلت: يا أمير المؤمنين، كُن لله سبحانه مع حاجتك إليه، كما كان لك مع غناه عنك؛ إنه لم يجعل أحداً فوقك، فلا ترضَ أن يكون أحدٌ أشكر له منك، فتصدق أمير المؤمنين بصدقات، وأطلق محبوسين. [الآداب الشرعية (1/239)]

صور من تهدئة السلف غضب الحكام
أراد المنصور خراب المدينة لإطباق أهلها على حربه مع محمد بن عبد الله بن حسن، فقال له جعفر بن محمد: يا أمير المؤمنين، إن سليمان أُعطي فشكر، وإن أيوب عليه السلام ابتلي فصبر، وإن يوسف عليه السلام قدر فغفر، وقد جعلك الله عز وجل من نسل الذي يعفون ويصفحون فطفئ غضبه وسكت. [الآداب الشرعية (1/248)]

وقال ابن عقيل في "الفنون": قال بعض أهل العلم قولاً بمحضرٍ من السلطان، فأخذ السلطان في الاحتدد عليه، وأخذ بعض من حضر يترفقُ ويسكنُ غضبه، ولم يكُ محله بحيث يشفع في مثل ذلك العالم، فالتفت العالمُ فقال للشافع: يا هذا، غضبُ هذا الصدر، وكلامه إياي بما يشق أحبُّ إلي من شفاعتك إليه، فإن غضبه لا يغُضُّ مني وهو سلطاني، وشفاعتك هي غضاضةٌ علي – وكان القائلُ حنبلياً – فأفحكم الشافع، وأرضى السلطان. [الآداب الشرعية (1/249)]

صورة من مناصحة السلف للخارجين على الحاكم
كتب المهلب بن أبي صفرة إلى ابن الأشعث يحذره ، وينهاه عن الخروج على إمامه وقال: إنك يا ابن الأشعث قد وضعت رجلك في ركاب طويل ، أبق على أمة محمد صلى الله عليه وسلم ، الله الله !! انظر لنفسك فلا تهلكها ، ودماء المسلمين فلا تسفكها ، والجماعة فلا تفرقها والبيعة فلا تنكثها، فإن قلت أخاف الناس على نفسي ، فالله أحق أن تخافه من الناس ، فلا تعرضها لله في سفك دم أو استحلال محرم ، والسلام عليك . [خطبة بعنوان (فتنة ابن الاشعث) للشيخ سلطان العيد]
ندم الإمام الشعبي لخروجه على الحجاج
لما هرب ابن الأشعث بعد أن أثار فتنة أهلك الحرث والنسل فقتل من أتباعه من قتل ، وأسر كثير منهم ، فقتلهم الحجاج بن يوسف ، وهرب من بقي منهم .
ومنهم عامر الشعبي الإمام الثقة ، فأمر الحجاج أن يؤتى بالشعبي فجيء به حتى دخل على الحجاج .
قال الشعبي : فسلمت عليه بالإمرة ، ثم قلت :
أيها الأمير ، إن الناس قد أمروني أن أعتذر إليك بغير ما يعلم الله أنه الحق ، ووالله لا أقول في هذا المقام إلا الحق ، قد والله تمردنا عليك وحرضنا ، وجهدنا كل الجهد ، فما كنا بالأتقياء البررة ، ولا بالأشقياء الفجرة ، لقد نصرك الله علينا ، وأظفرك بنا ، فإن سطوت فبذنوبنا ، وما جرت إليك أيدينا، وإن عفوت عنا فبحلمك ، وبعد فالحجة لك علينا .
فقال الحجاج لما رأى اعترافه وإقراره : أنت يا شعبي أحب إلي ممن يدخل علينا يقطر سيفه من دمائنا، ثم يقول ما فعلت ولا شهدت ، قد أمنت عندنا يا شعبي .
ثم قال الحجاج : يا شعبي كيف وجدت الناس بعدنا يا شعبي ؟ وكان الحجاج يكرمه قبل دخوله في الفتنة .
فقال الشعبي مخبرا عن حاله بعد مفارقته للجماعة : أصلح الله الأمـير ؛ قد اكتحـلت بعدك السـهر !! واستـوعرت السـهول !! واستجلـست الخوف !! واستحليت الهم !! وفقدت صالح الإخوان !! ولم أجد من الأمير خلفا !!
فقال الحجاج : انصرف يا شعبي ، فانصرف آمنا [خطبة بعنوان (فتنة ابن الاشعث) للشيخ سلطان العيد]

وفي الختام

أقول: يا شباب الإسلام عليكم بسنة نبيكم صلى الله عليه وسلم، والزموا العلماء، فهم ورثة الأنبياء، وكونوا سبباً لنصرة هذا الدين، ولا تكونوا سبباً لتكالب الأعداء على الإسلام والمسلمين.
والله أسأل أن يوفق الجميع لما يحب ويرضى، وأن يجعلنا من المتمسكين بالكتاب والسنة على منهج سلفنا الصالح، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين


حــــقوق السلطـــان على الأمــــة

-=-=-=-=-=-=-====-=-=-=-=-=-=-=-=-=-==-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق الأول: بذل الطاعة له ظاهراً وباطناً، في كلِّ ما يأمر به أو ينهى عنه إلا أن يكون
معصية؛ قال الله تعالى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ } ، وأولو الأمر هم: الإمام ونوّابه –عند الأكثرين-. وقال النبي : (( السمع والطاعة على المسلم فيما أحب أو كره ما لم يؤمر بمعصية )). فقد أوجب الله تعالى ورسوله: طاعة ولي الأمر، ولم يستثن منه سوى المعصية، فبقي ما عداه على الامتثال.

-=-=-=-==-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=

الحق الثاني: بذل النصيحة له سراً وعلانية. قال رسول الله : (( الدين النصيحة))، قالوا: لمن؟ قال: (( لله، ولرسوله ، ولكتابه، ولأئمة المسلمين، وعامتهم )).([1])


-=-=-=-=-=--=-=--=-=-=-=---=-=--=-=-==-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=--


الحق الثالث: القيام بنصرتهم باطنا وظاهراً ببذل المجهود في ذلك لما فيه نصر المسلمين وإقامة حرمة الدين، وكف أيدي المعتدين.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق الرابع: أن يعرف له عظيم حقه، وما يجب من تعظيم قدره، فيعامل بما يجب له من
الاحترام والإكرام، وما جعل الله تعالى له من الإعظام، ولذلك كان العلماء الأعلام من أئمة الإسلام يعظمون حرمتهم، ويلبون دعوتهم مع زهدهم وورعهم، وعدم الطمع فيما لديهم، وما يفعله بعض المنتسبين إلى الزهد من قلة الأدب معهم؛ فليس من السنة.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق الخامس: إيقاضه عند غفلته، وإرشاده عند هفوته؛ شفقة عليه، وحفظاً لدينه وعرضه، وصيانة لما جعله الله إليه من الخطأ فيه.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق السادس: تحذيره من عدو يقصده بسوء، وحاسد يرومه بأذى، أو خارجيٍّ يخاف عليه منه، ومن كل شيءٍ يخاف عليه منه –على اختلاف أنواع ذلك وأجناسه-؛ فإن ذلك من آكد حقوقه وأوجبها.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق السابع: إعلامه بسيرة عماله، الذين هو مطالب بهم، ومشغول الذمة بسبهم؛ لينظر لنفسه في خلاص ذمته؛ وللأمة في مصالح ملكه ورعيته.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق الثامن: إعانته على ما تحمله من أعباء الأمة، ومساعدته على ذلك بقدر المكنة، قال الله تعالى: { وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى } ، وأحق من أعين على ذلك ولاة الأمر.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق التاسع: ردٌّ القلوب النافرة عنه إليه، وجمع محبة الناس عليه؛ لما في ذلك من مصالح الأمة، وانتظام أمور الملة.

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=


الحق العاشر: الذب عنه بالقول والفعل، وبالمال والنفس والأهل في الظاهر والباطن، والسر والعلانية.
وإذا وفّت الرعية بهذه الحقوق العشرة الواجبة، وأحسنت القيام بمجامعها، والمراعاة لمواقعها؛ صفت القلوب وأخلصت، واجتمعت الكلمة وانتصرت )).

-==--=-=-=-=--=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=-=‬




من أصول السنة عندنا:

من خرج على إمام من أئمة المسلمين .. فقد شق هذا الخارج عصا المسلمين

إن الحمد لله, نحمده, ونستعينه, ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا, ومن سيئات أعمالنا.من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له.وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم.
أما بعد:

فقد قال الإمام المبجل/ أحمد ابن حنبل -رحمه الله تعالى- كما في "أصول السنة" له:
وَمَنْ خَرَجَ عَلَى إِمَامٍ مِنْ أَئِمَّةِ المُسْلِمِيْنَ, وَقَدْ كَانَ النَّاسُ اجْتَمَعُوا عَلَيْهِ, وَأَقَرُّوا لَهُ بِالخِلافَةِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ؛ بِالرِّضَا أَوْ بِالغَلَبَةِ؛ فَقَدْ شَقَّ هَذَا الخَارِجُ عَصَا المُسْلِمِيْنَ, وَخَالَفَ الآثَارَ عَنْ رَسُولِ الله -صلى الله عليه وعلى وسلم-, فَإِنْ مَاتَ الخَارِجُ عَلَيْهِ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً [1].
وَلا يَحِلُّ قِتَالُ السُّلْطَانِ, وَلا الخُرُوجُ عَلَيْهِ لأَحَدٍ مِنَ النَّاسِ, فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ عَلَى غَيْرِ السُّنَّةِ وَالطَّرِيقِ [2].




قال فضيلة الشيخ العلامة/ أحمد بن يحيى النجمي -رحمه الله- كما في شرحه لأصول السنة:

[1] لا يجوز الخروج على الإمام المسلم حتى ولو كان عاصياً لله, ولو كان فاجراً فإنه لا يجوز الخروج عليه.
والخروج ينقسم إلى قسمين:
1- خروج بالفعل والقتال.
2- وخروج بالقول والتأنيب والإثارة على ذلك الإمام.
وقد جاء في حديث عبادة بن الصامت أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دعاهم إلى البيعة فبايعوه على السمع والطاعة في العسر واليسر, والمنشط والمكره, وألا نُنازع الأمرَ أهله إلا أن تروا كفراً بواحاً معكم من الله فيه برهان والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومشهورة, منها قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((من خرج على السلطان فمات فميتته جاهلية)) والأحاديث في هذا الباب كثيرة ومشهورة.
وإن مما يُعد من الخروج ذكرُ مثالبِ الولاة والطعن فيهم والإنكار عليهم بين الجموع الحاشدة, والاستهانة بهم؛ لأن هذا مما يسببُ أخطاراً عظيمة, وأضراراً كبيرة, فإن ذلك يُسبب العصيان, ويؤدي إلى الخروج الفعلي, وإذا حصل الخروجُ الفعلي أُريقت الدماء, وانتُهكت الأعراض, وقُطعت السبل, وأُخيف الآمنون.
فالله الله في أمة محمد -صلى الله عليه وسلم- يا طلاب العلم لا يخدعنكم أصحاب التوجهات السياسية فإن دولتنا (1) مسلمة, تُحكم شرع الله وتنشرُ عدله وتنشرُ التوحيد, نسأل الله أن يُوفق القائمين عليها إلى كل خير, ونحن لا ندَّعي لها العصمة, فالأخطاء لابد أن توجد, ولكن يجبُ معالجة الأخطاء بالطرق التي يككون فيها نفعٌ بلا ضرر, كالنصائح السرية, وما إلى ذلك.
ولست أريد التوسع في هذا الباب وإنما إشارات نقولها وننبه بها على أخطاء المبتدعين لعل الله -عز وجل- أن ينفع بها من ينفع وأن يقينا بهذه الأسباب شر البدع والمبتدعين إنه جواد كريم.
[2] لقد أمر الله -عز وجل- بطاعة السلطان ما دام محكوماً له بالإسلام, ولا يجوز الخروج عليه حتى ولو ظلم, ولو ضرب الظهر وأخذ المال؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم- في حديث حذيفة ما معناه: ((فاسمع وأطع لولي الأمر, وإن ضرب ظهرك, وأخذ مالك)), ولا يجوز الخروج عند أهل السنة والجماعة إلا أن يرى الخارج كُفراً بواحاً معه من الله فيه برهان.
وإنما أجاز الخروج على السلاطين الخوارج والمعتزلة, وهم أهل الابتداع فعليك بأهل الاتباع ودع عنك أهل الابتداع فإن الطريق هو الطريق الذي لزموه وهو متابعة الآثار. اهـ

وقال فضيلة الشيخ العلامة/ ربيع بن هادي المدخلي -حفظه الله- كما في شرحه لأصول السنة:

[1] كما في حديث ابن عمر -رضي الله عنهما-: ((من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية)). ((ومن خرج من الطاعة مات ميتة جاهلية)). فلا يجوز الخروج. وقال هذا في خلافة يزيد وتعرفون حال يزيد, ومع ذلك ابن عمر -رضي الله عنهما- رأى الخروج عليه نكثاً للبيعة ومن خرج عليه ومات على ذلك مات ميتة جاهلية.
[2] لأن الخروج عليه مخالف للنصوص الثابتة عن النبي -صلى الله عليه وسلم-, ومخالف لأصل عظيم من أصول أهل السنة والجماعة حتى ولو كان كافراً لا تخرج عليه إلا إذا كان هناك قدرة, وهناك مصلحة راجحة, وليس هناك مفسدة راجحة, حينئذٍ إذا أمكن التخلص منه فذاك, وإلا فالأصل الصبر.
أما وهو مسلم فما دام في دائرة الإسلام وما دام يصلي, فلا يجوز الخروج عليه حتى يروا الكفر البواح, فيخرج بالشروط التي ذكرت.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. اهـ


الساعة الآن 11:45 .