السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

حبيباتي سيدات عالم حواء باذن شخصي من صاحبة المذكرات راح انقل لكم هالمذكرات والهمسات والفلاشات

عن ما يدور في افئدة اغلب الشعب الليبي والذي لم يجرؤ يوما على البوح به ..

اما الان فقد اتيحت لهم فرصة التعبير عما يجول في خواطرهم ورغبة منهم بمشاركتهااا مع الشعب العربي

الذي كانوا ينتمون اليه بالاسم فقط بسبب التعتيم الذي مارسه الطاغيه ..

خواتي راح انزل المذكرات باجزاء وهم اربعة اجزاء ...

رجاء لا حد يرد لين ما يكتمل الموضوع

الجزء الاول

فتاة ليبيا ستحكي لكم بعض فصول مأساتها... إنها من الواقع وأرض الواقع ... ستسرد لكم كل ماعاشته ... انها ليست قصص او اساطير من الخيال ... إنها وأقسم بالله الواحد الأحد ما عشناه ولم يسمعه احد من العالم...

تزاحمت الأصوات منها المسيئة ومنها المشوهة ومنها الصادقة ...ولكنني تعهدت على نفسي أن أقول الحقيقة...

قبل كل شئ لا بد أن أشكر الغالية أم حمد لإعطائي الفرصة ... وأهدي الإمارات العربية المتحدة شكر ليبيا بأكملها .. فالأصدقاء لا تظهر معادنهم إلا في وقت الشدة والمحنة.... ومن لا يشكر الناس لا يشكر الله...

هيا معي لأول فصول روايتنا ... The True Story

مقدمة

الطغاة عبارة عن جينية بشرية تظهر كل بضع مئات من السنين في مكان ما على الارض .... تبدأ حياتهم بداية بسيطة ولكن غريبة ... أما نهايتهم دائما مفزعة وغريبة ايضا... إنها حكمة الله سبحانه وتعالى ... ربما ليتيقن الناس من قدرته عز وجل... أو ربما لنعرف قيمة أولئك الطيبون الذين جاءوا الى حياتنا بهدوء ومنحونا الكثير والكثير ورحلوا بذات الهدوء بدون ما نشعر ... ولنتيقن انهم رحلوا وقبل أ يكن بوسعنا حتى أن نشكرهم ...



الزمان: منذ حوالى 38 سنة المكان : ليبيا

لم يكن ينام الليل إلا قليله يتقلب على فراشه الوثير وعلى وسادته المحشوة بريش النعام. والمغلفة بالحرير.. كان يتقلب وكأنه ينام على فراش من الاشواك ... ماحرمه النوم كابوس يراوده منذ مدة وتكرر بطرق مختلفة ولكن بنفس الوجوه ونفس النهاية ...

جمع من حوله مفسروا الأحلام... ليسوا من الكتاب والسنة.طبعا.. لا فالسنة من ألذ أعدائه.. بل هم من ملته الحقيقية ... التي حاول جاهدا ان يخفيها ... المهم أجتمعت هذه الزمرة ... وبعد المداولات أجمعوا كلهم على ضرورة أن يحتاط ويحتاط ... فإن أسواره ستدك يوماً على يد شاب ملتحي يصلي الفجر... وأشد ما يحب ارتياد المساجد... آخر قال له سيأتي نار من جهة الشرق ستلتهم كل شئ...

كان دائما يعيش الوهم... عالم ما وراء الطبيعة... السحر مهنة يعشقها... أنها بالنسبة له أكسير حياته وسر قوته ... والعياذ بالله... لا تستغربوا فإن السحرة كانوا على مر التاريخ الكومبارس الذي يكمل صورة الطغاة..

ومن هنة بدأت القصة... كان الشرق الليبي هاجسه الذي يقلقه... وهم أيضا دفعوا ثمن هذا غالياً... بل أبناء ليبيا كلها... إنها تشبه أحداث فرعون مصر... ألم أقل لكم؟ حياتهم تتشابه !! ف

تارة يخطط لحقن 500 طفل في مستشفى بنغازي بفيروس الأيدز...

ومن شوهد مواظبا على صلاه الفجر يسجن بدون محاكمة لسنوات... و....... و .....و... والكثير والكثير..



أعوذ بذاكرتي قليلاً إلى بداية شهر فبراير كانت هناك همسات بين الناس عن إعلان يوم الغضب الليبي في ال Facebook 17 فبراير 2011 ... ضحكت من قلبي ... وأتذكر حينها كنت مع زوجي في السيارة وفتحنا الحديث... يوم الغضب؟!!! لا مستحيل.... لماذا ؟ و كيف؟؟ إنه المستحيل بعينه... قلتها وعقلي الباطن يوهمني بأننا لا نعاني اية مشاكل... قلت لزوجي... "نحن نعيش كويس وناكل كويس" ... "علاش الدوشة هادي.".. وإن كان يوم االغضب فقد يفلح في الحصول على بعض التغيير... ولكن القضاء عليه...

مستحيل...

لم نتوقعه ابدا... إنه اخطبوط عملاق ذو أرجل سبعة جاثمة علينا تمنعنا من التنفس او الحركة.... أو حتى الابداع...حاولنا التعايش معىه في الظل لنكون في سلام...

وقبل حلول ذلك اليوم الناس كانت مستنكرة تارة وأخرى مستهزئة ... ولكن أراءنا كانت في الخفاء... إنه المكسوت عنه...

رجعنا للبيت... ألقيت نظرة سريعة على صفحة يوم الغضب في الفيس بوك... ارتسمت على وجهي ابتسامة لا إرادية... أحدهم ينصح المجموعة:


( ما تخافوش.. ادهنوا وجوهكم بزيت الزيتون... باش غاز المسيل للدموع ما يضرش وجوهكم!)

أحسست بالشفقة من أجلهم والخوف عليهم... فلغة التظاهر والاعتصام لغة غيرمقبولة هنا... ثم كيف لهؤلاء الشباب اليافع... شباب الفيس بوك ان ينهي جبروت تحجر على قلوبنا منذ 42 سنة؟؟؟!!

يستر الله وخلاص...

حاولت النوم ليلاً...اتكأت وأنا افكر هل لهذه الثورة من داع وهل للغضب من معنى... اختلطت في رأسي مجموعة من الفلاشات السريعة... Quick Flash Backs ... أصوات متداخلة تداعت وصور قديمة تجسدت أمامي... وتراكمات العقل الباطن بدأت تظهر...

الفلاش الأول:

كنت طفلة نشاهد التلفزيون بين أبي وأمي وأخوتي الصغار كان والداي يتابعان شئ ما في الإذاعة الليبية.. وفجاءة قام أبي على غير عادته وأدخلنا إلى غرفنا... سألته( شنو فيه يا بابا؟) ( خيرك؟!!) رد في ضيق ( اقعدوا شوية الداخل ، توا إناديكم)... اختلست النظر فرأيت مشهد شباب يصرخ وهم يقتادون إلى أعواد المشانق لتنفيذ الإعدام... ومرت سنوات قليلة... الا أن المشهد أصبح من المعتاد... الروتين اليومي للتلفزيون الليبي وبالذات وقت الإفطار في شهر رمضان المبارك... عندما كنت طفلة كان الذين شنقوا بالنسبة إلي كبارا في السن... ولكن عندما كبرت عرفت مدى فداحة الجريمة... لم يكون الا طلابا من الجامعة لم يتجاوو أعمارهم 19 سنة ... وأين؟ في ساحات الجامعة... وأمام مسمع ومرأى باقي الطلاب!!!! ..إنه تقليد فرض علينا يوم 7 أبريل من كل عام...


الفلاش الثاني:

مشهد أم عبد الله رحمها الله ... تلك الأم الثكلى التي ماتت كمداً وحزناً على ابنها الذي اقتيد من بيتها وعمره 18 سنة...كان معروف بالتقوى والصلاح بين الجيران... وكان من مرتادي المسجد ... وبالذات صلاه الفجر... "عقدة ذاك الرجل"... ألقى القبض عليه كالكثيرين مثله في ليبيا ... ووضع في غياهب سجن ابوسليم... كان ذلك سنة 1990... كنت في سن المراهقة أنذاك ... وأعتدنا رؤية أم عبدالله في الأعياد والمناسبات متجهة مع زوجهة حاملة ما لذ وطاب من المأكولات إلى هذا السجن .. كانت تعود بفرحة غامرة... ليسألنها الجارات ..." تلاقيتي مع عبد الله؟" وترد " لا لكن قالولي حاله باهي" " وياكل كويس وفرح بالحاجات اللي انجيب فيهم" .... حرمت هذه الأم من رؤية ابنها لمدة سنوات وسنوات... ومجرد سماعها بأن ابنها يلبس ما تتشريه ويأكل ما تطبخه... وانه يزداد وزنا.. كاف بأن تحس بالبهجة وتنام قريرة العين انتظارا لموعد آخر...واقسم بالله العظيم ... هذه المرأة ظلت على هذا المنوال لسنة 2003 عندما اجتمع أولياء امور عدد 1270 سجين ليوزعوا عليهم شهادات وفاة أبنائهم رميا بالرصاص وبتاريخ رجعي يعود 1996......
وكأنهم يقولون لها....(الكاميرا الخفية كانت معكي!!!) ... أبنائكم قد تم تصفيتهم منذ تسع سنوات...

وكأن المذيع يسألها ( نزيع؟ ولا ما نزيعش؟) أكيد ما تزيعش ... فإنه في ليبيا المسكوت عنه

لقد عاشت وهم كبير لمدة عشر سنوات قد كبر ومات في السجن بدون سبب... لقد شبع ابنها ولكن ليس من أكلها... شبع موت ...
وردهم الوحيد هو ( جتنا أوامر من فوق!!)
توفت أم عبدالله بعد انهيار عصبي في مستشفى طرابلس المركزي .. ولاأعرف حال أمهات الثكالى الأخريات....




عشنا في ليبيا بلدنا ... ولسنا في بلدنا .... للذين قالوا لنا انكم تعيشون في بحبوحة من العيش... ربما ولكن لم تكن عيشتنا بسبب المليارات التي تأتي من عائدات النفط.. لا بل عشنا في الظل بعيدا عنه وعن نفطنا ... استثمرنا ما نملك وعشنا في صمت... عائدات النفط لم تصرف يوما على بنية تحتية او تعليم او صحة او غيره... ولم تصرف لنا اصحاب الارض الحقيقيين... بل صرفت على بناء ترسانات عسكرية فتاكة تقمعنا... وعلى اعلام زائف يمجدهم... ولشراء القاب جوفاء... و.... اشباعا لنزواتهم الفاسدة في كل انحاء العالم...

إنها بحق سنوات الضياع الليبي...

ممنوع أن تبدع... ممنوع أن تتفوق... ممنوع أن تصبح ذائع الصيت او مشهور... حتى لو كنت دكتور بارع... او مهندس ناجح... او كاتب فريد من نوعك... فنهايتك كأي ليبي ناجح هو

الموت في ظروف غامضة... نعم الموت في ظروف غامضة...

أكررها إن كنت ليبي او ليبية وخانك القدر وساقك للنجاح... فلا مفر... الموت الحتمي... من قبل أيد خفية لطالما راقبت نجاحك عن كثب... ويقرر الأخطبوط أن نجاحك تعدى الخط الأحمر... لدرجة لم يعد يطيقها... فاعلم ان نهايتك قريبة...

ففي ليبيا ليس هناك الا اخطبوط واحد من يستحق التمجيد والبارع في كل شئ...

تفتح التلفزيون... فلا تجد الا ابواق تمجده وصورة لعالم يهرع جريا للتقرب منه... وقوى عظمى تركع تحت اقدامه مستجدية رضاه...

تقرأ الجريدة... فلا تجد الا أخبارا نفس الشئ... تسير في الطرقات فلا ترى الا صورته...

ياله من قرف ...

حتى اسم ليبيا.. حاول طمسه بكلمة أخرى لا نجد لها مكان في القاموس...

إنها سنوات الضياع ... الضياع الليبي...


أيقنت أن هذه الثورة شئ لا مفر منه... إنها ليست ثورة تغيير نظام... إنها ثورة تحرير بلدنا واسترجاعها لتكون لنا من جديد... لليبيين من جديد




وإلى اللقاء في الجزء الثاني من شهادات فتاة ليبيا. ..
الجزء الثاني
قد لا تكوني محظوظة جداً مع زوجك فيحياتك ... وقد لا تكوني محظوظة معه بالمرة... يسقيك المر والعلقم ... وانتي صامتةمستكينة وساكتة... ويأتي يوم ما ولتقفي مع نفسك وقفة صدق وقفة صراحة ... ولتتيقنيإنك عشت تحت ظله جسد بلا روح ... تقدمي الكثير و لا تتلقي الا ... إلا ... لاشئ... حاولت أن تتناسي معاناتك ... أن تمسحي من وجدانك ظلمه وجحوده ونكرانه... أشغلتينفسك في شتى جوانب الحياة ... ولتنفسي ولتروحي عن روحك ولتبدعي... ولتعيشي ثقتكبنفسك... بخس حقوقك.. وأهانك... ولم يتوانى عن تدنيس ثوابت عقيدتك... والاستهزاءبكي... ومع ذلك تجري بكي السنين وتبقي تحت ظله ... تارة يوهمك بأنك ستظيعي مندونه... تارة يخوفكي بسواد عيشتك من غيره... ولتجدي نفسك اقتنعت وسكنتي ...كيف ؟... لماذا؟ بل ولتقنعي نفسكي أنه القدر المحتوم.. إلى الأبد..

يسألك منحولك عن وضعك فتجيبي تمام... إنك لا تكذبي ولكن الرفض والألم مدفونان في أعمق نقطةمن عقلك الباطن ولم تطفو بعد... لدرجة انك لم تعودي تحسي بها ... بل نفسك الطيبة ... وروحك المعطأءة الوفية تحاول أن تقنع الغير ببطولات هذا " الرجل" ... "أدوارهالعنترية" عن ... فرسه الذي لا يتعب... ومسدسه الذي لا يفرغ... بأهميته...البطلالوحيد الذي بدونه لم تكوني... ولن تكوني.. ومن بعده الفناء ...

قد يكونسكيرا عربيدأ... ويهمل اطفالك ويهملك... ومع ذلك تجلسي في المجالس وتتكيفي بالقهوةوانتي تحكي لهم بكل فخر عن نبله وشهامته وحنية قلبه على ابنائك... قد يكون بخيلاً ... وتتحدثي لهن عن الشيكات المفتوحة التي يكتبها لكي... وهدياه الثمنية التييغدقها عليكي... و و و ... يبعثر اموالك واموال ابنائك ... يحرمكم منها ويرميهابالهبل على فساده وعلى كل شئ... الا انتم ولا تريدي ان تواجهي حقيقته حتى معنفسك... حقيقة أنه انتي من تكافحي خارج البيت وداخله...وتعملي حتى لاينقص البيت شئوحتى لا ينحرم ابنائك من كل شئ... أنتي من تتدبري تعليمهم وعلاجهم....وقد يكون لايعرف حتى اتجاه القبلة... وانتي من تحفظي ابنائك القرأن الكريم وتجاليسهم وتحاوليتعويضهم عن كل ما حرمهم ذلك الأب القاسي.." وتحكي ليهم كيف أن أبوكم " أحسن أب فيالعالم"!!!!.

...
إنها ليست كذبة... بقدر ماهو تكتيك نفسي لا إرادي لبلعالألم... ولتغطية " خيبتك الثقيلة" ... أنها ترجمة لشعور الفقدان.. ومحاول لرأبتصدع محتمل...

ولكن...

لكل شئ حدود ولكل قصة نهاية...عندما تتراكمتراكمات عقلك الباطن.. لتطفو للخارج ... إلى أين؟ لعقلك الظاهر... الى رأسك... ثمتنتشر التراكمات وتمتد ... إلى قلبك وعروقك... الغضب والألم فاق كل شئ.. ولتقولي...

كفى...

إنها ثورتك... إنها ثورة إنسان...ولتتصالحي معنفسك ... ويتظافر العقل الباطن مع الظهر والقلب مع الضمير...... وتقولي سأغيرواقعي... وتبدأ ثورتك.. ومن كنتي تكتمي عن عيوبه وتحاولي أن تعمي عيونك عنرؤيتها... من أجل أن يسير المركب... ومن أجل أن يسعد أبنائك...

ولكن...

بصرك اليوم حديد... سئمت وسئمت... ظهر المخزون وفاض... وماكان بالأمس خوف على صغارك... اصبح اليوم ثورة من أجل صغارك... حياتهم من دونهأفضل... وانتي من غيره ستكوني عالية ... واثقة... سعيدة ... و قوية... و... ناجحة... و حرة... طليقة...فقد سئمت وقلتي كفى... بخستي نفسك العمر كله ... أهديتثمار انجازاتك وانجازات ابنائك وعائلتك له... انسبتيها له كفضل من افضاله.. اخترتيان تعيشي الجندي المجهول... فقط ليكون هو القائد المغوار... تنازلت عن حقك... وحتىالشكر لموقفك النبيل لم يقدره.. لم تحصلي عليه... وبعد عشرة العمر يستهزأ بكوتكتشفي انكي انت وعائلتك .. لستم بالنسبة له مجرد أحقر مخلوقات الله تعالى... أنتيمجرد " جرد" وابنائك الذين ربيتيهم على السنة والكتاب واصبح جلهم حفظة للقرآن .. يسخر منهم ويقول مهلوسين... وانتي يامن سهرتي وصمتي واعياك القهر ... اشترى غرباءمرتزقة ليقتحموا بيتك و يهتكوا عرضك... كيف يا هذا... العقل لا يستوعب... ولكن انهاالحقيقة...

قال لا رجوع فقلنا لا رجوع ايضا ....


واقترب موعد يومالغضب... ولكن لم تحتمل بنغازي الأنتظار... انفجر غضبهم من 15- 2- 2011...بدأتالثوة في بنغازي... و خرج الشباب عن بكرة أبيهم... عزل ... وتظاهروا وطالبوهبالخروج من ليبيا... وتعالت أصواتهم...

(
يا لبّاس عباءة جدودي ... في الأخير طلعت إيهودي) ( قولوا لــ(.....) وعياله ليبيا فيها رجالة)

(
يا حاقد علي رسولنا... ناخد حقه بروحنا) ( الشعب الليبي ما عاد يبيك..... تل أبيبتستنى فيك)...

وحدثت المجزرة مجزرة بنغازي... وواستشهد فيها مناستشهد وانقض الشباب العزل على معسكر الفضيل بن عمر واخدوا ما فيها من اسلحةخفيفة... وحاولت الكتائب تفريق شباب بنغازي وحسب الأوامر فقد صوب الرصاص علي الرؤوسوالصدور حتى يتحقق الموت الفوري... ولم يجدي ذلك نفعا.. اصبح الحشد بالالاف فهمليسوا بنغازي فقط بل فزع جميع الشرق الليبي...

جن جنون الأخطبوط وأرجلهالسبعة... والباين أنه سئم عبوديته لذاك الكابوس الذي ظل يراوده منذ سنوات... وملالخوف الذي يكبله من ذلك الحلم المريع منذ 38 سنة... ومل كل الاحتياطيات حتى يهربمن القدر المحتوم... فقرر أن ينهي خوفه إلى الأبد ... وليهنأ هو وارجله السبع الىالأبد بالنفط الليبي وويواصلوا عربدتهم بدون إزعاج... قرر إبادتهم...

جهزرتل من 400 دبابة واسطول من الأسلحة الفتاكة... أشرس كتائبه الأمنية وليقودها أحدأبنائه... وحشود من المرتزقة... إنه الحل الوحيد لقطع دابر رعبه إلى الأبد... وليظلهو الملك إلى الأبد... اتجه هذا الأسطول إلى إسرائيل.... اه لا عفوا إلى بنغازيمعقل الثوار.. فلم تفلح سياسة التهميش والإفقار والبطالة و التجهيل التي مارسهاعليهم عقود حكمه..

وظهر ابنه أم الصحفيين يجلس في كرسي وتير ويقول بنغازيستكون في خبر كان... جنودنا حملو معهم لافتة تقول ( بنغازي كانت هنا)... وقال (TO LATE!)

وأكيد رأيتم ما رأيتم وسمعتم على شاشات التلفزيون والإذاعات... وخرجشباب ليبيا عن بكره أبيها في طرابلس وبنغازي والزنتان ومصراتة و يفرن ونالوتوالزاوية... الكل ظهروا في الشوارع... كفانا صمتا ... كفانا رعبا... كفاناذلا...

كنت أشاهد الجزيرة وقلبت العربية ثم الآن ثم وثم ... ووجدت كلالمشاهد ... يالهول... جنونه في أقسى صوره... كنا في البيت... وسمعنا شباب أصواتهمتعلو وتعلو...

(
يا بنغازي مش بروحك... احنا ضمادين جروحك)...

( سوق الجمعة سوق الجمعة... بنغازي تبكي بالدمعة)... و سوق الجمعة هى ضاحية من ضواحي طرابلس... سمعنا أصوات رصاص وصرخات الشبابتعلو وهرولة وجري... كلها حدث سريعا...

دخل زوجي للبيت مسرعا... قال أقفليالنوافذ.. والأبواب ... المرتزقة في كل مكان... أحكم قفل ابواب البيت ... وجلسنا فيالصالة بعيدا عن النوافذ .. الرصاص في كل مكان وقد تصيبنا رصاصةطائشة...

كان الوقت ليلا... وأدعو وابتهل إلى الله أن يأخذه عنا أخذ العزيزالمقتد وينصر ليبيا عليه وعلى كفره... وضعت الريموت وفتحت اللاب توب ولا إراديافتحت منتدى سيدات الإمارات... وجدت بعض الرسائل تمكنت من الرد على بعضها... كان كلذلك سريعا... ولكن شيئا فشيئا .. بدأ الكونيكشن يضعف ويضعف واختفى تماما... لقد تمقطع النت عن ليبيا..

ذهبت إلى حجرتي.. وظل زوجي يتابع الاخبار.. حاولتالنوم ...فجاءة روادتي نفس الحالة... أمسكت رأسي ... صداع شديد... إنني كمن فقدالذاكرة لسنوات... وبدأت ترجع شيئا فشيئا... بدأت خلايا المخ تنشط من جديد... أمسكترأسي بقوة أكبر... آه الألم يزداد... صور متقطعة تأتي وتذهب... فلاشات سريعة وأصواتمتداخلة... بدأت تتضح وقترب .... آه رأسي يؤلمني ما هذا؟؟؟!! أقفلت عيناي وأصداءالأصوات تقترب شيئاً فشيئاً... فلاشات سريعة...

الفلاش:

مشهد تدافعبنات صفي على النافذة... نافذة الفصل... قالت احداهن تنادينا
(إجروا ... بسرعة تعالوا شوفوا قبل ما تجينا أبلة شكران بسرررررعة) هرعنا جرياً الى نوافذ الفصل ...كان الشهر نوفمبر ..و كنت وقتها في الثاني أعدادي.. كان بجابنا مدرسة ثانوية للبنين... وشاهدنا عشرات من الحافلات وأعداد من طلبة هذهالثانوية يتم إخراجهم من الفصول وليصطفوا في طوابير وليدخوا اولا بأول الى الحافلات ....ومشهد مدير المدرسة وهو واقف امام باب المدرسة وهو يودعهم ...و على باب الحافلةمجموعة من الجنود .. اظن انهم من الرتب العالية...وكنا نختلس النظر من نوافذ الفصلقبل أن تأتي أبلة شكران... نعلق ونضحك تارة من ضخامة أجسام أولئك الجنود مقارنةبصغر اأجساد أولئك التلاميذ... وتارة أخرى نتسأل ( وينبيمشوا!؟) .. بعدهاوعلمنا أن هناك أوامر ( من فوق) لإخراج طلبة الثانوياتإلى ما أسموه مسيرة تضامنية في سبها...

كماعلمت بعدها أن نفس المشهد تكرر فيالعديد من الثانويات ليست في طرابلس فقط ... بل في أنحاء كثيرة من ليبيا.. منهم منترك شنطته ... ومنهم من ترك كراسته على مقاعد الفصل ... وليهرعوا الى الحافلات... أكد الضابط العسكري لمدير المدرسة... أنهم بالكثير سيرجعوا ليلا او غدا صباحا ولاخوف...

ولكن ... استعدوا للمفاجأة...

فعلاتوجهت الحافلات الى سبها في الجنوب الليبي... في قلب الصحراء... ولكن ليس ليرجعواليلا و لا حتى غدا و لا اي وقت آخر... ولكن سبها كانت نقطة العبور TRASIT ... أنهاالعبور الأخير The Final Transit اسم لفيلم هوليودي.. لم يعطوا لهم حتى فرصةالإتصال بوالديهم ... أو تطمينهم... أو حتى أن يقولوا لهم وداعاً...

إنهم لن يرجعوا أبداً...

أنهم متجهون إلى تشاد ... حربتشاد... حافلات الموت... تقلهم إلى حرب ضروس لا نعرف لها سببا وليس لنا فيها لاناقة ولا جمل.. ولن تجدي من يعطيك إجابة عنها... نسمع عنها من بعيد لبعيد... ولانعرف عنها شيئا...

لقد أفنى ذاك الأخطبوط الجيش الوطني الليبي في تلك الحربالضروس... ثم لم يجد الا طلبة الثانوي .. ليرمي بهم في أثونها.. ...

ذهبتإلى المدرسة في يوم التالي.... ورأيت تزاحم سيارات أولياء الأمور وتدفق الأمهاتوالأباء... أمام الثانوية ... وقف المعلمون ومدير المدرسة بينهم يتصبب عرقا ... مغلوب على أمره... قال لهم إني تلقيت تعميم عسكري من فوق... بأن الطلبة قد تمارسالهم الى تشاد... تخيلي أنك ترسلي ابنك الى المدرسة ليدرس ثم يعلموك ببساطة انهفي تشاد... ذهب الى المدرسة ليدرس وإذا به في حرب مع جيش في أدغال أفريقيا...بدونوداع وبدون ملابس ...لكن اكيد لم يقصروا فقد ألبسوهم بدل عسكرية مقاس (s)...

المهم فقدت ليبيا حوالى 5000 من ابنائها مابين افراد الجيش الوطني وطلبةالثانويات والجامعات... بين مقتول واسير ومفقود...

لا أعرف ما حدث لهمهناك.. ولن تجدن أي فتاة أخرى من ليبيا تعرف ما حدث لهم... لا يعلم مصيرهم الا اللهسبحانه وتعالى... ما أعرفه فقط ورأيته بأم عيني أنه :

أنه لو صادفك في ليبيا شاب فاقد للتوازن النفسي أو العقلي من مواليدالستينات او بداية السبعينيات... فاعلم انه رجع من تشاد (جيل تشاد.)...

إذاصادقتك أسرة ليبية لديها ابن مفقود من ذات الجيل... فاعلم أنه أخرج إلى تشاد ولميعد...

إذا صادفتك بنت ليبية من ذات المواليد وفاتها قطار الزواج لم يطرقبابها أحد... فاعلم أنها من (جيل تشاد)..

إذا رأيت شاباً ليبياً عمره ناهزالثلاثين او الأربعين و ضائع وفاشل وفي بعض الاحيان يتعاطي المخدرات ... يقضي جليومه على نواصي الأزقة...فاعلم أنه من جيل تشاد.. هو من القلائل الذين تحركت فيهمالحاسة السادسة .. وحدثهم شاهد العقل... فلاذوا بالهرب من نافذة الحافلة ولم يصلواالى تشاد وهرعوا لبيوتهم ... ولكن .. لم يستطيعوا العودة أبدا الى المدرسة... ولاالحصول على تعيين في وظيفة... او اي شئ... انه مطلوب منالعدالة...

إنهم ليسوا أبطال فيلم أمريكي عن حربفيتنام...

إنهم ضحايا... سنوات الضياع ... مسلسل سنوات الضياعالليبي.....




الجزء الثالث




المكان: طرابلس

الزمان: سبتمبر 1969

كانت طرابلس .... عروس البحر الأبيض... عروس اسم على مسمى... كانت قد نالت استقلالها منذ 18 عشر سنة... كانت ليبيا مملكة دستورية آنذاك... وكانت أجمل ما تكون عليه العروس... وكان للملك رحمه الله وافسح ثراه زاهد بنفسه... أعطى لطرابلس الكثير... ففي هذه الفترة الوجيزة شيدت فيها أكبر مدينة جامعية بها عشرات الكليات وملعب رياضي وأرض ضخمة للمعارض وامتدت الطرق والمواصلات وانتعشت التجارة... كانت طرابلس في الخمسينيات والستينيات تعيش أبهى سنوات عمرها مرفرف عليها العلم ذي الثلاث الوان والنجمة والهلال...

حتى حدتث تلك الخيانة ... حدث ذلك الإنقلاب المشؤوم... كان الملك في رحلة علاجية في تركيا...

وفجاءة ظهر ذاك الملازم الحاد الملامح على الملأ وأعلن علي الليبيين أن ليبيا أصبحت بين يديه.. وأن ولي أمر البلاد ولى إلى الأبد.. وعندما نقل الى مسامعه خبر ذلك الملازم الطامع في السلطة... اختار الملك حقن الدماء ورحل في هدوء. وقدم استقالته.. وعاش في المنفى... حتى وفاه الأجل.. رحمه الله ... ودفن في البقيع جوار الرسول صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة...
وكان الناس في هرج ومرج في طرابلس.. وجلست عجوز عمياء ... فاقدة للبصر ومتمتعة بالبصيرة.....ليدخل عليها أبنائها... وسألتهم :

" شنو فيه برا؟"

فأجابها الأبناء :

" هذا واحد اسمه......"

فتنهدت العجوز وأجابت في اقتطاب أقرب للحزن وببصيرتها المعهودة :

" يا خوفي إيكون إمدمر!!!!"



إنتشرت كتائب الأخطبوط الأمنية في كل أرجاء ليبيا تقريبا... إنها ليست الجيش... فالجيش تم تفككيكه من زمان... انها كتائب موزعة بعدد ابناء ذاك الأخطبوط .. وعاتت هذه الكتائب فسادا وتدميرا في كل القرى والمدن ومنها ما سوى بالأرض... لقد أعلنوا الحرب على الليبيين ... أرادوا تطهير ليبيا شبر شبر ... من " الدنس والنجاسة!" ... ولم يعلموا أنهم الدنس الوحيد الذي ينقض صفاء حياتنا... كنت أتابع الأخبار وأرى كل شئ... اللييين يتعرضون لحرب إبادة بكل معنى الكلمة... وكانت لمصراتة نصيب الأسد من صواريخ سكود .. هاون .. جراد... قنابل عنقودية....

أما هنا في طرابلس ... حيث أنا... فقد كانت كتائب المرتزقة... وجنده وأعوانه منتشرون في كل الشوارع تقريبا ... وبات مشهد الدبابات مألوفا...

وأعلن سكان طرابلس العصيان المدني... فأصبحت أغلب المحلات والمدارس والكليات مقفلة... وبات أصحاب المحال وكل من تبث عليه تهمة العصيان... يخرج عنوة من بيته ويعتقل...

لقد كنت أشعر بخطر محدق بنا... ولاأعرف كنهه..... نعم فإني لاأثق في جنونه... وقد يقودنا جنونه الى هاوية النهاية...

لقد غادر جميع الأجانب منذ بداية الأحداث... ورحلوا جوا وبحرا ... وأبلغتني خادمتى الأثييوبية أنها مضطرة للسفر...لقد تركونا لوحدنا نواجه قدرنا المحتوم... أما زوجي فقد ملأ المخزن بمؤونة تكفي للأشهر من زيت ودقيق ..وسكر.. الخ... لقد كان كل هذا يزيدني فزعا..

هل هناك شئ سيحدث ؟

شئ يعرفه الجميع إلا أنا؟ كل المعطيات تقول أن هناك شر مستطير ينتظرنا... ولم أجد إلا الدعاء...



عفواً انت لست في غزة... أنت في حصار طرابلس الغرب:

وتطورت الأحداث سريعا ... وما كان يوم أمس يسمى بيوم الغضب.. أصبح اليوم أيام الفيضان والسيول الجارفة... لا يوقفها شئ. في كل أنحاء ليبيا..... أما بنغازي والشرق الليبي فقد تحرر بالكامل وذاقوا حلاوة الحرية... وظلت طرابلس أسيرة ... يخنقها الحصار... لقد بدأ الوقود ينفذ شيئا فشيئا... واصطفت السيارات امام محطات البنزين واصبحت طرابلس كلها فارغة من السيارات .. فكلها واقفة امام محطات البنزين... ولأجل الحصول على نصف تانك فإننا نحتاج للوقوف حوالي 3 أيام...وتم تخصيص محطة نسائية للوقود.. حيث يجتمع النسوة يوم كامل انتظارا... وحاول الجميع التعامل بإيجابية مع المحنة... فكلنا مفعمون بالأمل وننتظر الخلاص المرتقب.. حاولت الاستفادة من الساعات الطوال في تلك الطوابير.. تارة بقراءة القراءن ... او الكتابة.. ومنهن من تقوم بالتطريز... ولم يفت الباعة المتجولين لعرض مختلف البضائع على مئات السيارات الواقفة.. ولقد كانت فرصة رائعة للتعارف وتبادل الأكلات... وكان لفاعلي الخير نصيب بين تلك الطوابير.. فتارة نرى من يوزع الكتيبات التوعوية... وآخر ماء الشرب...الخ... لقد كانت طوابير البنزين حكاية لوحدها... \تحتاج لفصول... وكنا نلحظ بين الفينة والأخرة سيارات نوع (برادا) محملة بأجهزة تصنت دقيقة ... تصول وتجول .. تنتظر التقاط اي كلام لا يروق لهم...


وفات فصل الربيع ودخل الصيف ومازلنا نسمع كل يوم عن شهداء في كل مكان... وأصبح الوضع في طرابلس لا يطاق... حيث اشتدت الحرارة ... والكهرباء تغيب لتأتي قليلا... وأنهكنا قيظ الحر خارج البيوت وداخلها... ... ... واختار الكثير من السكان الذهاب لتونس الشقيقة...

أما أنا فقد تعلمت إعداد الخبز في البيت بعد ما أقفلت اغلب المخابز... وتغير روتين حياتي كليا... لا خروج ولا زيارات ولا سيارة... ولا رياضة ولا نزهات... ظللت في البيت لا أبرحه الا اضطرارا...
كان الحصار الأمني يثير الرعب ... الهواتف مراقبة بالكامل.. بأجهزة تصنت تحدد هوية المتكلم ومكانه.. واكتضت السجون ... بمعتقلين من طرابلس من الشباب والنساء... وكل يوم كنا نسمع عن مفقود من هنا وهناك... فمنهم من غادر سرا الى الجبهات.. ومنهم من لقى حتفه من رصاص الكتائب.. ومن من سجن قسرا...كما أن الاغتصاب بات سلاح معتمد لدى هؤلاء ومداهمات البيوت بدون استئذان اصبح شئ متوقع كل يوم... وبهذا راجت تجارة أجهزة الحماية الشخصية وطارت أسعارها في الآفاق.. كنا نشريها سرا وحرصت كل اسرة على اقتنائها...

كان مجرد الامساك بأحدنا وهو ممسك لعلم ليبيا ذي الثلاث ألوان والنجمة والهلال جريمة تستحق الاعدام بالرصاص.. وكانت السيدة صبرية ساسي اول شهيدة في طرابلس... حيث داهمت الكتائب بيتها فجرا واقتادوها بتهمة خياطة العلم وتهريبه للثوار... وتم قتلها رميا بالرصاص ورمي جسدها الطاهر في احد المناطق النائية .. وغيرها الكثير... عبد العاطي قدور... زياد المنتصر... وكل له قصة ما ...

قصف طرابلس:

وفي هذه الفترة كتفت قوات التحالف الدولي ضرباتها الجوية على طرابلس... عفواً ليس طرابلس بل المعسكرات ومخازن الأسلحة المنتشرة في كل أحيائها.. كانت هذه المخازن تحوي صواريخ وترسانات من السكود والسام والهاون والجراد ومضاد الطائرات... انها ما اشتراه الاخطبوط طيلة اربعة عقود بأموالنا... ليس لتحرير فلسطين كما كان يروج لنا... بل لتحرير ليبيا من الليبيين. فكانت هذه المخازن تغذي بشكل يومي الكتائب في كل مكان... حتى بلغ عدد الشهداء 54,000 شهيد ليبي..


ودخل شهر أغسطس وجاءنا شهر رمضان.. كنا جد متفائلين به... بالرغم من وطأءة الحصار الخانق... لا كهرباء ولا ماء ولا وقود اوغاز طهي... كنا نشتري هذه الضروريات بأسعار خيالية... وهذا ان وجدت... كنا نقضي الليل وغالبا ما كنا نقفز مذعورين من ذاك القصف العنيف (للنيتو) ولكنه بالنسبة لنا كان المخاض العسير الذي يسبق الولادة... الطلق المؤلم الذي سيهب الحياة لأبنائنا ... فمهما بلغت شجاعة وقوة الثوار على الارض.. فإنهم في النهاية أناس مدنيون أضطرتهم الظروف لخوض الحرب والمواجهة... وايضا لا قبل لهم امام صواريخه المحرمة والفتاكة... كنت على ثقة بأن ضربات قوات التحالف الدولي على مخازن الاسلحة والترسانات دقيقة جدا... ولكن رعبنا كان من الشظايا التي تتناثر جراء هذا الانفجار... والصواريخ التي تتناثر نتيجة له...


كان أعنف هذه الضربات وأقربها إلى بيتي .. تلك التي حدثت في شهر رمضان.. حيث كانت طرابلس في ظلام دامس .. واعتدنا انا وزوجي والأطفال على تناول الافطار الرمضاني في حديقة المنزل... اتذكر تلك الليلة .. السماء كانت صافية والنجوم تتلألأ .. وكنا ننتظر بفارغ الصبر تلك الدقائق التي يأتي فيها التيار الكهربائي لنهرع الى الدخل ونتابع قليلا من الأخبار ثم لينقطع ثانيةً... وكان من عادة طائرات الحلف ان تقوم برمي مئات من المناشير لتحدير السكان القانطين بالقرب من تلك المخازن... ولكن وللأسف كانت هناك كتائب تترصد لمثل هذه المناشير ويتم جمعها فورا معاقبة اي مواطن يضبط وهو ممسك بإحداها...وذلك بأمر من احد ابناء ذاك الأخطبوط ... حيث أن موت اي مدني لييبي شئ مهم .. وذلك اولا لأنها فرصة للتخلص منا.. وثانيا انها ورقة ضاغطة على الحلف بإتهامهم ب"قتل المدنيين"!!!


ولهذا كنا كثيرا ما نتفاجأ بتلك الضربات...القريبة... وأتذكر أنني في إحدى الليالي خانتني فيها أعصابي ونفذ صبري... فخرجت الى حديقة البيت... ولأصرخ بأعلى صوتي صرخة تمزق سكون تلك الليلة:

( آمتا بيطلع الجرد الكبير؟!!!!) (خلاص هلكتنا!!!)

تداركت نفسي ودخلت مسرعة إلى البيت وأوصدنا ابواب البيت بإحكام... فهذه الكلمات كافية بأن تنهي حياتي إلى الأبد على يد الكتائب.... وجلسنا ننتظر عودة الكهرباء بفارغ الصبر... وفجاءة وبدون مقدمات فأجأني ذلك الصداع الرهيب الموجع بالذكريات في رأسي... صفحة من صفحات الليبيين... لا ... أنني أكره هذا الصداع... متى سيختفي والى الأبد... أمسكت رأسي بشدة كالعادة.... واقفلت عيني بشدة... آه كم أكرهك أيها الأخطبوط...

أصوات... ضوضاء..

كلمات تقترب شيئا فشيئا ...

آه لا...إنها الصورة أمامي تتضح..ياااااه لا أحتفظ بشئ جميل لك لأتذكره.... كم سئمتك... وسئمت هذه الفلاشات.....
الفلاش:

انتقلت بي ذاكرتي إلى 18 سنة مضت... أمي تجادلني" ما فيش مشي!!" " أنسي الموضوع!" وانا أستفهمها عبثا "علاش يا ماما؟ نبي سبب واحد؟!":... ولتجيب علي بدون النظر إلي " هكي وخلاص... سكري الموضوع!"

كنت في الثاني ثانوي وقتها... وكان من عادة " اللجان اثورية" ان تأتي إلى الثانويات لإلقاء محاضرات عن ما أسموه " الوعي السياسي" او " التربية العقائدية" ... كانت تلك المحاضرات قمة في الملل بالنسبة لنا.... وكنا نتظر بفارغ الصبر انتهائها... وفي يوم ما حضر بعض أفراد من تلك اللجان واقترحوا علينا... نحن طالبات الفصل... الذهاب معهم في زيارة سينظمونها قريبا لزيارة "القائد".. كما يحلو للأخطبوط تسمية نفسه... والغريب ان الزيارة كانت مساءاً... والأغرب... في مقر ما في الجامعة!!...

عموما لم أعرف سبب وجيه لرفضهم القاطع... و لم أناقشهم كثيرا.. لأني أصلا في قرارة نفسي لم أكن أنوي الذهاب وليس من زميلاتي المقربات من ينوي الذهاب... كما أنني لم أكن من المعجبات بتلك اللجان ...كنت أشعر بالمقت من طريقة تقليدهم الأعمى " لقائدهم" ... تلك اللباس الغريبة... وطريقة الحديث التي لا نستسيغها والغريبة عن لهجتنا... والأكثر غرابة...الطريقة الهوجاء لتصفيف شعرهم!!!
لم يذهب الاالقليلات في ذلك اليوم... ولم نكثرت كثيرا لسؤالهن عن مضمون تلك الزيارة...

واستمرت المشاهد المتلاحقة... واستمر الصداع...وليأتيني مشهد ....بعد هذه الحادثة بحوالي 18 سنة...

...قيام زوجي بركن السيارة أمام أحد محلات الحلويات... نزلنا منها... ودخلنا جميعنا إلى المحل... وبينما كنت أتحاور مع أطفالي عن ماذا سنختار.. وقعت عيناي على امرأة... اعتقدت أنني أعرفها... نعم إنني أعرفها.. ياااه انها زميلة لي في الفصل... نعم تذكرتها... في الثانية ثانوي... ولكنها لم تكن لوحدها... إنها مع زوجها... أعتقد أنه خطيبها زمان... نعم.. بالتأكيد هو ... رمقتني بإبتسامة... أكيد تذكرتني بدورها... إنني أتذكرها جيداً (فلانة بنت فلان) ... كانت أروعنا جمالاً ... هادئة ورزينة... اتذكر كونها مخطوبة أنذاك.. وبالتأكيد الذي معها هو ذاك خطيب الأمس... ولكن ما لاحظته جليا إنها سلمت علي بنوع من التردد ... وجمالها لم يعد بنفس تلك الروعة.. إنها تبدو ذابلة بعض الشئ... ما أتذكره جيداً ... انقطاعها المفاجئ عن االسنة لدراسة.. لم تكمل سنة الثانية ثانوي.. وقيل لنا إنها تزوجت... ولم نسمع عنها بعدها قط..

رجعنا إلى السيارة... وحدثني زوجي عن قصتها... قال لي أنه ماكان يجب أن يحكيها لي... وحذرني من رواية قصتها للغير... بالتأكيد لن أفعل... لن أجرؤ أن أكررها حتى لنفسي..

والحقيقة المرة... الحقيقة التي فسرت لي العديد من الأشياء والألغاز... أن هذا زوجها ليس هو خطيبها الأسبق... ولكنه حرس مقرب من حراس ذاك الأخطبوط... والذي تزوجها بأمر منه... بعد أن هتك عرضها... والعياذ بالله... أما خطيبها فقد ذهب لحال سبيله... كنت استمع اليه وهو يحدثني بقصتها... ولكن فجأة صرخت... آه نعم ... تذكرت...... ربطت الأحداث ببعض... نعم انها تزوجت بعد فترة وجيزة... وبعد تلك الزيارة التي اعتقدن الطالبات أنها بريئة...
أصبت بالذهول ... أصبت بالصدمة... ما أبشع الحياة عندما نعلم بعض خباياها... لم أذق أي قطعة مما اشتريناه من حلويات...



فارقنا النوم في تلك الليلة... وعبثا انتظرنا عودة التيار الكهربائي ... وما نعلمه أن تهديدات الأخطبوط وأبنائه بتفجير طرابلس وتدميرها بالكامل قد تكررت...فقد تم توزيع منصات لصواريخ على المشارف الشرقية لطرابلس... ولا نسمع منهم الاالتهديد والوعيد تارة ... وتم تحميل بعض المستودعات في الجوار بأعداد من صواريخ السكود...



تناولنا السحور.... وفجاءة... ارتج بيتنا رجة عنيفة ... حتى خلته سيسقط فوق رؤوسنا... اهتزت نوافذ البيت... وانفجرت الأبواب نتيجة للضغط العنيف لإنفجارات هائلة نسمعها في الخارج... كنت في رررررررعب لا يعلم به الا الله... صرخت من الفززززززع... وشلت أعصاب قدماي فجأة... ولم أقوى حتى على النهوض.. تذكرت أطفالي...ذهبت إلى غرفتهم زاحفة ......حاولت الوصول إلى غرفتهم ولأنتشلهم ... فكرت سريعا في الخروج من المنزل والبقاء في الحديقة...أو الخروج الى الشارع والهرب بهم... ولكن كان الظلام حالك في الخارج... كما هو في البيت ...ليس هناك الا بريق برتقالي يصدر من تحطم وانفجار صواريخ السكود المتراصة في الجوار...ينير أرجاء بيتي كأنه وميض برق خاطف في شتاء ليلة ماطرة...أيقنت ان الخروج أخطر لإمكانية تعرضنا لشظية من الشظايا المتناثرة ......... وتزايدت وتيرة الانفجارات... لم أدر ماذا سأفعل... أعتقدت أنها النهاية... وصلت بصعوبة إلى بدلة الصلاة... ارتديتها ... ووصلت إلى أطفالي في الغرفة أخيرا.. أنفاسي متقطعة ... وتأترث لرؤيتي لهم غارقون في سباتهم العميق... ينعمون بنومهم بصفاء براءة الأطفال... لا يكدرهم شئ... وأشفقت عليهم من الرعب الذي سيرتاعهم إذا ما أيقضتهم.. فلم أجد إلا أضمهم بجانبي... وابتهل إلى الله أن ينجينا.. وكانت الهواجس تأتي وتذهب بي سريعاً... تارة أقول لنفسي

إنني أفضل الموت لنفسي على أن ينجو هم ..فأقول لا قبل لأطفالي أن يعيشوا بدوني...

ثم هاجس آخر يحدثني أنهم

قد يموتوا ولأعيش أنا... فأقول لا قبل لي أن أعيش بدونهم...

ضممتهم بقوة وقلتسنعيش معا ونموت بإذن الله معا...

ولن يفرقنا شئ...

سنعيش وتعيش ليبيا... وسيأتي غد مشرق وجميل... بدون اخطبوط ولا كوابيس ..

.لن تعانوا الضياع مثلنا...لإننا سننتهي قريبا من كتابة آخر فصول سنواته ...
السوؤال من هو الي بيقراها ؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟؟

ياليتك عطيتينا الخلاصة والفكرة العامة


شكر لك


الساعة الآن 06:30 .