20-10-1438 هـ, 05:28 مساءً
 

لا توجد تقييمات لهذا الموضوع

يمكنك البدء بإعطاء تقييم عبر الضغط على النجوم أدناه:
5
4
3
2
1
...
الحياة أشبه بالمحيط ..
حافلة بالأسرار ، موغلة في العمق، مكتنزة بالغموض..
ومايحدث فيها من مفارقات وما يعتريها من تقلبات ..
تجعلنا ندرك أن لاقاعدة ثابتة تحكمها..
فهي كالمحيط تماماً في تقلباته بين هيجان وسكون
فلا أمان لها ، ولا ملجأ منها نستطيع اللواذ به ..
حين تعصف الانواء .. إلا الإيمان ..!
فهو قارب النجاة إذا البحار هاجت..
وإذا الرياح عصفت ..
وإذا أمواج الحياة اربدت ..
...
إن العاقل من يتعظ ويستوعب دروس الحياة ..
ويقطف من كل درس حكمة ..
ويضعها في قارورة الحقيقة التي لخصتها كلمات القرآن .. بالعرض الزائل ..
(وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور )
:
الزمن : قبل شهور .
المكان : صالة للمعزيات في بيت الفقيد .

:
ازدحم الشارع العريض عن بكرة أبيه بالسيارات ..
ابتلعت الزحمة ملامح الأرصفة..
حفنات من ( السواق ) .. تجمعت هنا وهناك
يلغطون بلغتهم بنبرات عالية ، يرفقون كلامهم بهز الرؤوس
وانفرد آخرون ب ( النقال ) يحدثون الطرف الآخر ..
الجميع كان في انتظار خروج السيدات من ( بيت العزاء )..
.....
الفقيد .. أسلم الروح أخيراً للساعة المحتومة ..
لفظته السنوات العجاف بعد أن اقتاتت على جسده ..
حتى لم يبق ( للخبيث) مايعتذر به للبقاء ..
كان رجلاً قد توسط العمر ..
ينتظره مستقبل .. وأسرة ..
لكن القدر الذي واكب مسيرته المؤلمة ..
دقت ساعته بالأمس القريب ..
فما عاد للسنين عذر ..
فتوقف النبض ..!!
.....
الله اكبر ..
الله أكبر ..
انطلق نداء صلاة المغرب ..
( أحسن الله عزاكم ) ..
قبلتين وأحتضان وتربيتة ومشاركة قلبية ..
وخرجت معظم النساء ..
تفرقت الباقيات من الأحباب والأقارب في أنحاء البيت
استعداداً للصلاة ..
وفي الصالة الكبيرة بقيت الكراسي المتراصة ..
تحدق في الفراغ ..!
وافترش السكون المكان ..!
:
في الخارج ..
انبعث هدير محركات السيارات وهي تستعد..
اختلط ضجيجها ،
مع أصوات أبواق التنبيه ..ونفير الاحتجاج
تحاول جاهدة شق الطريق في الشارع المختنق ..
تداخلت الاتجاهات ..
بصعوبة ومشقة .. زحفت سيارة إثر أخرى ..
وانفرج شيء من الاختناق ..!!
.....
هناك على الرصيف الملاصق للصالة الكبيرة ..
كانت ..... مركبة ضخمة محصورة بين سيارتين ..
حاول سائقها الخروج متراجعاً إلى الوراء ..
إذا بسيارة تكاد أن تصدمه .... فعاد للأمام مسرعا.
ضاغطاًعلى دواسة البنزين بقوة دون انتباه ليتفادى الاصطدام ..
اندفعت السيارة بكل عنف إلى الأمام ..
قبل أن يدرك السائق مايحدث ..
بم ..!! ! صرخة رعب ..!!! طاخ ...!!
اخترقت السيارة النافذة فالجدار ...
اكتسحت المكان..
انسحقت الكراسي ..
دخلت في الجدار المقابل ..
تناثرت الأشياء..
تحطم الأثاث ...
انسحق الزجاج ..!!
رعب .. رعب .. !! .. ضجيج ..!!
وذهول في الداخل ..
ولغط واختلاط أصوات في الخارج ..
دقيقة أو شيء منها ..
قلبت المكان راساً على عقب ..
أنقضت لتزلزل الركن الآمن ، وتخطف القلوب ..
ثم ...!! لحظات من السكون الرهيب ...!!!
:
( شوي شوي ..تراجعوا ..
خلنا نشوف حالة المصاب ..)!!

......
هتف المسعف .. وهو يزيح المتجمعين .. !!
.........
ثمّ ....... !!
من بين أضالع المركبة المنبعجة ..
انتشلته الأيدي وحملته السقالة
وشقت صفارة الإسعاف الطرقات بنواحها..
وبحملها الجريح ..
إلى حيث .. العناية المركزة ..!!
...........
.........
لحظة صدمة رهيبة خرساء في الداخل ..
ثم تلتها إفاقة .. تبعها صراخ وضجيج ..
صعقت النساء من هول المنظر ..
( الله اكبر.. الله اكبر )
ياساتر ..!!
ياالله ..!!

بدون شعور تحسست كل واحدة جسدها
لتتأكد من سلامتها ..
أيدي خبطت على الصدور
وآخرى تحسست الرأس ..
( أنحنُ سليمات ..؟!! أحقاً لم يصبنا أذى ً..؟!! الحمد لك يارب )!
.........
هنّ .. غير مصدقات بالنجاة ..
أنفاس متقطعة لاهثة من المفاجأة الرهيبة ..
وانهارت بعضهن ..
ثم ....!!
...........
بعد امتصاص الصدمة ..
استراح الجميع في غرفة أخرى ..
حتى هدأت الأنفاس ..
تحمدن لبعضهن بالسلامة ..
وغادرت أخرالمعزيات الدار .. سالمات ..!
وبقي أصحاب العزاء..
:
تأملن لطف الله ..!
لو أن المكان لم يخلُ من الأرواح ..
أي قدر كان سيحل .. ؟!
أما كان من الممكن أن يصيب سهم المنون بعضهن مقتلاً ..؟!!
ويتسبب بالأذى لأخريات ..؟!!
وعندها .. !!
أما كان العزاء ليجر عزاءات ..؟!!
ويتحول إلى فاجعة ومأساة ....؟!!

..........
لكن الحقيقة نطقت الحكمة في القول الفصل :
قدر كل منّا قد خط على جبينه ..
وماأخطأك .. لم يكن ليصيبك ..
وما أصابك لم يكن ليخطئك ..
وإن كان كل ماحصل هو قدر..
فهو من أمر الله ..
قدٰر الله تعالى .. ولطف ..!

...........
النقال يبث الخبر لكل المعزيات الناجيات ..
...........
حصيلة الحادثة :
خسائر مادية
ورجل مصاب في العناية المركزة ..
ولطف الله وعنايته حفّت كل من كان في داخل البيت ..
الصالة الكبيرة المزدحمة خلت ...قبل دقائق
كانت هي الفارق بين الحياة والموت ..
إنها الأقدار ..!

:
آخر الكلمات ...
لاتغرنك الدنيا ..
ولا تسلمن لها قيادك ..
عاملها بحذر ..
وخذ منا بقدر..
20-10-1438 هـ, 05:31 مساءً
 
...

كل يوم تشرق علينا شمسه تقابلنا فيه حياة جديدة
تدعونا أن نعيشها بكل نواقصها ..
وأن نختلس الفرحة والضحكة ..
حتى من مواطن الدموع والألم ..
نعيشها بكل نعمها ومفاجآتها ..
هناك شوق فينا دائماً إلى أفاقها الجديدة ..
مهما تقلبت فينا الظروف فنحن متعلقين بها
فلنقدر هبة كوننا أحياء نتنفس على ظهرها ..
نقتطف كل ماهو متاح لنا من كل لحظة بكليتنا ..
وبكامل كياننا ...!
فمن هذه اللحظة ستولد اللحظة القادمة ..
إذن لم نخش ما سيأتي .. ونجعله يسرق عمر لحظاتنا؟! ..
يكفينا الحاضر ..
ولنترك ماسيأتي به الغد.. .. للغد..!
..
إننا لسنا مخلوقات أثيرية تسبح وتتشكل في موجات الفضاء
إنما نحن أجساد طينية مقولبة في إطارها المادي ..
مقيدة بحدود الزمان والمكان ..
وهي وإن كانت تضم كياننا الروحي المترامي الأبعاد ..
الذي يفكر ويحلم ويحلق ويبدع وينطلق ويسافر ..
إلا أننا أعجز من أن نقرأ سطور أقدارنا في كتاب الغيب ..
:
كل فجر نفتح نوافذ أرواحنا للنور ..
ونغذي أملنا فيه بالصلاة والدعاء..
أن يحفظنا الله ومن نحب من سهام القدر
قد تمر ساعات يومنا على وتيرة الأمس ..
أو تفرز لوناً جديداً مشرقاً بالتفاؤل والأمل ..
أو تلقي علينا ظلاً قاتماً .. يصبغ أفقنا بالسوداوية ..
:
هذه لوحة حقيقة رسمتها ريشة القدر بألوانٍ زاهية ..
فجر يومٍ رافل بالبهجة متوهج بالحياة ..
مالبث أن تحول إلى واقع مأساوي
إذ طاف فوق سمائه شبح الفناء فتلاشت ملامح السعادة فيه ..
وصار هشيماً تذروه الرياح.
:
المكان : أحضان بحر الخليج
الزمان : يوم ربيعي من هذا العام

:
في صبيحة ذلك اليوم المتألق بالنضارة والغضاضة ..
في مطلع ربيع رخيّ الأنسام ، وفلول الشتاء تجرّ ذيول الرحيل ..
سار اليخت الصغير الأنيق متهادياً في أحضان الخليج الدافيء ..
منساباً بيسر ودلال فوق أمواجه الناعمة الهادئة ..
مصغياً لصوت الماضي على إيقاع أنشودة البحارة القديمة..
منساباً من حنجرة شجيةْ ٍ مفعمة بالحنين..
وبالشوق للوطن .. واللهفة لملاقات الأحباب..
تردد موجات الأثير الصدى ..!!
وتحمله الأنسام بعيداً في أذن الزمن
فيلتحم بترددات الماضي التي لم تزل محفوظة في ذرات الغيب
وتصيخ الأمواج السمع للحاضر وهو يستدعي الماضي ..
على شفاه البحارة:
...........
عادت لنا الأيام فوق السفينة
مرة معانا الريح ومرة علينا...
....
بين السفر والغوص رحنا وجينا
ومهما تصير الحال ما قط شكينا
....
يا اللي وضعنا الروح عنده رهينة
لو كانت الأقدار من صنع أيدينا...
...
ما كان يوم فراق بيننا ... وبينه..!

....
ولكن هذه لم تكن سفينة الأجداد ذات الصواري
تلك المحنكة بالأسفار ..!
المعجونة بالأخطار ..!
المسيّرة برعاية صانع الأقدار ..
بل كانت يختاً أنيقاً تسيره الآلات الحديثة ..
الصوت والكلمات .. والحنين ووشم الماضي المعتق ..فقط
كان الوشيجة العاطفية التي تربط حاضره بماضيه . ..
...
وعلى ظهر اليخت الناصع المتبختر كعروس مجلوة ..
قطف الزمان الساعات الأولى من النهار الحافلة بالأنس ..
من حديقة البهجة .. ونثر زهورها الضاحكة..
قبلات على الشفاه.. وترنيمات فرح في القلوب
وتمر الساعات في سلامٍ ووفاق مع الزمن ..!
وتجنح شمس الظهيرة نحو الحدة معتلية كبد السماء ..
.......
هبطت الأسرة إلى بطن اليخت ؛ لتعدّ على بطن النار
بعض الشواء ..
واعتلى اثنان قمرة القيادة .. إلى حيث ( قبطان ) اليخت المؤجر..
أخذ الثلاثة يدردشون .. ويتجاذبون أطراف الحديث ..
مستمتعين برؤية المد الأزرق الممتد إلى أبعد من مرمى البصر.
...
قبطان اليخت ..
وعشرة أنفار فقط .. من عائلة واحدة ..
خططت وخرجت لرحلة الترويح هذه بعد أسبوع حافل بالعمل :
والدين .. وولدين ..وابنتين
وثلاثة أحفاد ..
وزوج ...!!

....
و قطاف أُنسٍ ، ومرحٍ ولهوٍ .. في غفلة عن الزمان ..!!
......
الحياة ... كم هي جميلة !!
جمالها ينبثق من الروح ... تغاريد فرح ..!
حين يجتمع الأهل في مركب واحد..
على الرضاء النفسي وتصافي القلوب.
............
البحر الهادئ يهمس لغة السلام ..
واليخت يشق صدر الموج بهديره الناعم فتتناثر خصلاته المنعشة ..
يرافقه رذاذ أحاديث يتطاير .. هنا وهناك ..
مع ضحكات الصغار مختلطة بعبثهم ولهوهم
معترضة وتيرة السكون ..!
.........
ولكن ...!!
مهلاً ...!!
لايخدعنك السكون...!!
فستار الأقدار المنسدل خلف هذه السكينة الوادعة ..
يوشك ان يتمزّق .. عن فاجعة مروّعة ..!!

.........................
.......
على حين غرّة ..!!
بوغت البحر ...
وفوجئ المكان ...
بانفجار رهيب مدوّي !!
أشعل النيران في الأفق الهادئ ..
والتهم المكان .. !!
..........
أنبوبة الغاز .. انفجرت ...!
وفي جزء من الثانية ..
تحول اليخت المسالم إلى شعلة متاججة ..
امتدت كالبرق إلى خزان الوقود ..
لينفجرالآخر انفجاراً صاعقاً لايبقي ولا يذر ...!

وتتطاير بعض من أشلاء اليخت ..
وتُقذف بعض الأجساد بعنف في عرض البحر
ويختلط. الدخان .. بالنار... بالدماء... بالاستغاثات ..
برائحة الاحتراق .. فكانت القاضية..!!
ثواني لم تسعف الوعي والإدراك ، ولم تمهل الأنفاس ..
ثواني من الجحيم ...!
لم تترك ثغرة للنجاة ..!
سرقت بلمح البصر ..
حياة من كانواقبل قليل يضجون بالحياة ..!!
فحولتهم إلى أكوام رماد..
..................
حين وصل الانقاذ البحري في زمن وجيز ..
انتشل ثلاث رجالٍ من بين الأمواج ..
أولئك الذين كانت تضمهم قمرة السفينة ..
ونقلوا للعناية المركزة ..
تحول اليخت إلى كومة حطب ..
وفي داخله سبع جثث متفحمة ..!!!
نقلت لمثواها الأخير .
...... ....
البحر يعزف لحن الموت الحزين ..
تصاعد الأنين من ضلوع الموج يرثي الراحلين ..
انصدع كبد الفضاء ..
وعلا صياح النوارس الحائمة فوق جثة المركب ..
ترثي بصوتها الجريح من فُقِدتهم الحياة ..
التقطت الأسماع خبر الفاجعة بألم وذهول ..!
وتفجرت عيون الحزن بالبكاء على الراحلين ..
تحول نهار الربيع إلى ليل طاعن الظلمة..
في قلوب الأحباء..

......
ماقبل لحظات كانت هناك حياة واعدة ..
ومن ثمّ استلم الموت الزمام ..
قائلا للأيام : إن الموعد الذي لامفر منه .. قد أزف ..
وحين ينطق الموت تسكت الأقدار ..
:
آخر الكلام ...
لاتغرنك الدنيا ..
ولا تسلمن لها قيادك ..
عاملها بحذر ..
وخذ منا بقدر..
20-10-1438 هـ, 05:34 مساءً
 
لاتغرنك الدنيا ..
ولا تسلمن لها قيادك ..
عاملها بحذر ..
وخذ منا بقدر..
كلام يعكس حقيقة حياتنا ....بأن يد القدر تغير الاحوال بين رمشة عين وانتباهها .....وذلك هو أمر المولى عز وجل ....
نبضات ناطقة سردتها هنا جسدت تلك الحقيقة
فيض الغالية احسنت فانت مميزة دائما بانتقاء مواضيعك القيمة ....دمت بحفظ الله وبارك الله في قلمك البديع ..
💚💜💚💜
20-10-1438 هـ, 08:20 مساءً
 
الحبيبة فيض:
نبضاتكِ.. أقدار مكتوبة
في صفحات حياتنا
لانستطيع تغييرها،
ولا نملك تحريف نهاياتها حسب مبتغانا..!
فأقدارنا هدايا مُغلفة لا نعلم مابداخلها
وعلمها عند الله - سبحانه وتعالى -
فلنعيش بهدوء
ولا نجزع من أقدارنا مهما كانت مؤلمة،
ولنرضى بما كتبه الله لنّا،
ولنتعظ من الحكمة المجهولة ما خلف ستار أقدارنا.!
بوركتِ فيضنا
طرحكِ.. عزفٌ منفرد على الوتر الحساس
وسطوركِ لامست شغاف روحي،
فدثرني الألم مع كلا القصتين..!
أبدعتِ حبيبتي
وحماكِ المولى!!
21-10-1438 هـ, 02:58 صباحاً
 


الساعة الآن 09:33 .