قرأت هذا الموضوع في جريدة الرياض
بصراحة هو فهمني أشياء كثيرة
لأني في الاقتصاد صفر


الدولار بديلاً من الذهب إلى متى؟



د. حمزة محمد السالم
هناك اسطورة اقتصادية مالية تقول بأن العرض لعملة ما يعتمد على الطلب لهذه العملة وذلك أساسيات السوق للعرض والطلب، والصحيح أن الظروف السياسية والاجتماعية هي التي تشكل اساسيات السوق المالية التي تؤثر بدورها على العرض والطلب.
إن النظام المالي الحديث قد استبدل الذهب بالدولار، فبدلاً من مناجم الذهب في جنوب افريقيا وكاليفورنيا هناك البنك المركزي الفدرالي الأمريكي في واشنطن، والفرق بين الاثنين بسيط فالذهب صعب إنتاجه ومكلف وأهم من ذلك هو أن الذهب محدود الكمية بينما الدولار الأمريكي أرقام في حواسب الكمبيوتر تعتمد على شهوة الرئيس الامريكي في الانفاق. فماهي إذن حقيقة لعبة المال الدولية الحديثة؟

منذ انهيار اتفاقية برتن وود ونقض امريكا لالتزامها بصرف اونصة من الذهب لكل 35 دولاراً عام 1971م و1973 على التوالي حل الدولار محل الذهب وأصبحت الولايات المتحدة الامريكية تنتج دولارات اكبر من رصيدها الإنتاجي او الخدمي بغطاء الثقة مما جعل امريكا الآن أعظم دولة مديونة في العالم يصل دينها إلى ما يزيد عن سبعة تريليون دولار والعجز الميزاني التجاري لديها دائم وكبير. فأمريكا تستورد اضعاف ما تصدر من السلع والمواد الأولية والخدمات ففي عام 2004 مثلاً كان العجز التجاري 503 بلايين دولار ويمول هذا العجز بإصدار الدولارات المغطاة بالوعد الامريكي ودول العالم تتنافس وتقضي على مواردها الطبيعية والبيئية لإنتاج المنتوجات والصناعات لتقدمها إلى الولايات المتحدة التي بدورها تنتج الدولارات وتقايض هذه المنتوجات بها.

هذه الدولارات تحتفظ بها الدول النامية في احتياطاتها النقدية الاجنبية للحفاظ على عملتها من الانهيار امام هجمات المضاربين بالسوق المالية الدولية. فقروض صندوق النقد الدولي بالدولار، والنفط والمواد الاولية ايضاً بالدولار مما يدفع في الواقع جميع الدول للاحتفاظ به. إن سيطرة الدولار وهيمنته المعاصرة ترجع إلى اسباب كثيرة تاريخية واقتصادية وعسكرية ولكن الذي يضمن استمرار هذه الهيمنة والسيطرة بأن الدولار هو عملة المواد الأولية وأهمها على الاطلاق النفط.

إن ملاك هذه الدولارات لا يرجعون إلى امريكا للمطالبة بسلع أو خدمات حقيقية بل يحتفظون بها كسندات مالية في البنوك المركزية والتجارية مقابل فائدة زهيدة والتي لا تكلف الحكومة الأمريكية إلا أن تصدر مزيداً من الدولارات لتموين هذه الفائدة او خدمة هذا الدين.

فمن الرسم البياني لسعر الفائدة الامريكية على السندات والتغير النسبي للتضخم يتضح ان هذه الفائدة في الواقع موازية تقريباً لمعدل التضخم وخاصة عند حسابها على المدى الطويل.

فأمريكا لن تدفع فوائد حقيقية على ديونها المتراكمة. ما تعطيه من فائدة هو تقريباً ما يقابل نقصان قيمة الدولار. والصعود المؤقت للتضخم في 1951م كان بسبب الحرب الفتنامية والكورية على ما يظهر لي.

إن احتكار العملة هو الاحتلال العالمي الحديث فالسيطرة العسكرية في الماضي كانت من أجل احتكار الجارة أما في زمننا الحديث فلم تعد هناك حاجة للاحتلال طالما ان معظم ما ينتج في العالم سيكون لأمريكا مثله تماماً. فطالما ان الدولار الامريكي مغطى بالثقة فإن كل ما يباع في العالم بواسطته هو في أصل جوهره هدية للولايات المتحدة الأمريكية. فكوريا تحتاج نفطاً من السعودية والسعودية تحتاج إلى سيارات كورية فالسعودية تبيع البلاستيك والنفط والحديد لأمريكا للحصول على الدولارات اللازمة لشراء السيارات من كوريا وكوريا تستخدم هذه الدولارات لشراء النفط من الكويت والكويت تستخدم هذه الدولارات لشراء السيارات من اليابان وهكذا... فماذا قدمت الولايات المتحدة الامريكية مقابل النفط التي حصلت عليه لأول مرة من السعودية؟ قدمت الدولارات الامريكية التي أنتجت بالنقر على لوحة مفاتيح الحاسب الآلي في البنك الفدرالي الامريكي، نعم قد يرجع بعض الدولارات إلى أمريكا لشراء منتوجاتها وعقارها وغالباً ما يرجع لشراء أسهم شركاتها، ولكن على أية حال ما أخذه العالم من هذه الدولارات ومن يرجع بأي مطالبة حقيقية على أمريكا حتى الآن هو ما يقارب 7,6 تريليون دولار ولكي أقرب فهم الرقم لأدراك المقصود، فإن العالم قد زود امريكا مجاناً بمواد أولية وصناعات وخدمات ما يوازي ميزانية المملكة العربية السعودية لعام 2005 بمئة ضعف! ولو أردنا أن نحسب هذا الرقم الفلكي ليوازي القيمة الشرائية الحقيقية لتضاعف عشرات المرات. وأنا هنا لم أذكر هنا الدولارات الورقية التي يتبادل بها في الأسواق المحلية للدول الأجنبية فمثلاً في روسيا وحدها اربعين بليون دولار من الورق (دون حتى وضعها في سندات امريكية) يتبادل بها الروس بينهم داخل روسيا والتي لم يحصلوا عليها الا مقابل سلع وخدمات قدمت لامريكا كهدية من شعب روسيا للحكومة الامريكية.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا، لماذا لا تتخلص الدول الغنية الان من هذه الهيمنة وتتخلى عن الدولار.

والجواب يطول شرحه وسيأتي عبر سلسلة مقالات مقبلة. وباختصار فإن اليورو هو محاولة لاقتطاع قطعة من هذه الكعكة المجانية. وأما اليابان والصين فعليهم العبء الأكبر في شراء هذه السندات الامريكية للحفاظ على عملتهما من صعود قيمتهما وبالتالي كساد بضائعهما. فدفع الأتاوه للأمريكان مع الغنى خير من الكساد. هذا بالنسبة للحاضر واما ان نفترض هذا بأثر رجعي فأن العالم لا يستطيع أصلاً الرجوع على أمريكا للمطالبة بقيمة هذه السندات فإن حصل وفعل فإن قيمة الدولار سوف تصبح موازية لقيمة الليرة اللبنانية ويصبح رطل الفستق الامريكي بالاف الدولارات.

ما قبل الحرب العالمية الثانية كان هدف التجارة العالمية هو تصدير ما تكون قيمته أعلى من قيمة الاستيراد لكي تجلب الدولة المصدرة مزيداً من الذهب أو الأوراق والفلوس المالية المضمونة بالذهب فبريطانيا كانت تستورد الحديد من المستعمرات الامريكية لكي تصنعه ثم تبيعه على الامريكان بقيمة أعلى فتستخدم الذهب القادم من امريكا لتمويل مصانعها في بريطانيا من اجل اعادة البيع مرة اخرى على المستعمرات البريطانية في امريكا وعندما وجد الامريكان ذهبهم يتناقص ورؤوس اموالهم تذهب إلى بريطانيا عوضاً عن استخدامها لبناء المصانع حاول الامريكيون عام 1795م الخلاص من هذا الظلم التجاري واستجلبوا التمويلات من أوروبا لبناء مصانع الحديد في أمريكا فصدر الأمر السامي البريطاني بمنع صناعة الحديد في أمريكا مما كان من أحد الاسباب التي مهدت للثورة الامريكية على البريطانيين. فهل يا ترى يعيد التاريخ نفسه وإن كانت الصورة الان شديدة الغموض وأشد بأساً وظلماً. هل تسمح أمريكا للدول المنتجة للمواد الأولية ببيع موادها بعملاتها الوطنية؟ هل تدرك الشعوب المنتجة للمواد الأولية مقدار الظلم والغبن الواقع بسبب بيع ثرواتها بغير عملاتها الوطنية؟ وهل تتحرك هذه الشعوب لرفع هذا الظلم كما ثارت امريكا على بريطانيا؟

٭ دكتوراه في الاقتصاد المالي الدولي



الساعة الآن 04:06 .