سوق المال أم الأسهم؟
البقرة الحلوب بين الهيئة والمضاربين
فهد العجلان


الحديث عن 600 مليار ريال تمثل السيولة الضخمة في الاقتصاد السعودي حديث يسيل له لعاب الاستثمار وأهله... بقرة حلوب تثير الشهية!! لكن الشهية وحدها لا تكفي في الاقتصاد فلا بد من وضع اقتصادي صحي وأجهزة وقنوات هضمية اقتصادية تستطيع التعامل والتعاطي مع هذا الحجم الهائل من (لقمة) السيولة!! الأمر الذي يطرح للنقاش قضية هامة يعاني منها اقتصادنا الوطني وهي ضعف كفاءة نقل الرساميل!!
في واقع اقتصادي كهذا يغدو معه توسع مشاريع الشركات أمراً مستحيلاً وتنمية أفكار استثمارية جديدة بإنشاء شركات أخرى جديدة حلماً مع وقف التنفيذ!!
هذا الشق من المعضلة أو المعادلة الناقصة في اقتصادنا الوطني يكتمل الإدراك به والشعور بمأساته بمعرفة أن ثمة المئات من الألوف من المواطنين المثقلين بسيولة يبحثون لها عن فرصة استثمارية مناسبة!! ذلك البحث كثيراً ما انتهى بالتعلق بوهم المساهمات الزائفة أو سيل الاكتتابات النادرة مما حدا به في فترة من الفترات إلى شد الرحال إلى دول الجوار لتعبئة الأرصفة وملء الفرص المفتقدة في طوابير استثمار خارج الوطن!!
قبل أكثرمن ثلاثة أشهر صدرت توجيهات مجلس الوزراء الموقر إلى الجهات المعنية بالنظر في دعم سياسات الدولة في توسيع قنوات الاستثمار... ولعل حديثاً كهذا قد لا يبدو اليوم جديداً لمن يتابع طرحه عبر كتابات الاقتصاديين التي تبعث من وقت لآخر لتسلط الضوء على مشكلة بهذا الحجم لم تجد لها حلولاً ناجعة حتى الساعة وللأسف... الشق المؤلم في القضية هو التوقيت الذي يتزامن اليوم وطرح الموضوع... فاللحظة التاريخية ترفع درجة التأهب لحل قضية بهذا الحجم كل أجزاء حلولها بأيدينا لكننا لم نتحرك بعد!!
شركة وطنية تطلب تمويلاً لتنمية مشاريعها الطموحة في ظل اقتصاد يسبح في سيولة هائلة فلا تجد!! ومواطن يحتفظ في حساب جار بمبلغ فلا يجد قناة استثمار مناسبة ومأمونة!! هذه الصورة المقلوبة يئسنا من التنظير لمعالجتها فأضحت بحاجة لجهة واضحة لا هلامية تتدخل من أجل الحل!!
هذه الجهة يفترض بها التعامل والتعاطي السريع لتفعيل دوركفاءة نقل الرساميل التي تعني القدرة على تسييل الأصول الاستثمارية بسهولة وبزمن مناسب، ليتم توجيهها ونقلها بين قطاعات الاستثمار المختلفة بسهولة بما يخدم أهداف المستثمرين، ومن أفضل وسائل تسييل الأصول الاستثمارية تحويلها لأوراق مالية قابلة للتداول، وهذه لا تتم إلا من خلال هيئة السوق المالية فهي الجهة المسؤولة عن تطوير وتنظيم إصدار وتداول الأوراق المالية.
ولنلاحظ معاً تقدم كلمة تطوير على كلمة تنظيم التي تتقدم بدورها على كلمة إصدار التي تسبق كلمة تداول، فهذا التسلسل يوحي بأن مهمة هيئة السوق المالية تتضمن التطوير ثم التنظيم ثم الإصدار ثم التداول، وهذا تسلسل منطقي، ذلك أن هيئة السوق المالية ماهي إلا مؤسسة عامة ضمن منظومة المؤسسات المالية التي يجب أن تتكامل في تنمية الاقتصاد الوطني من خلال توفير الأموال اللازمة لذلك، وهذا يستدعي التطوير أولاً.
وتطوير الأوراق المالية بإيجاد هياكل مالية قابلة للتطبيق في البيئة السعودية، يستدعي التعرف على متطلبات مجتمع الأعمال أولاً، ودراسة حجم السيولة المتاحة ثانياً، ودراسة التجارب العالمية ثالثاً، والتفكير الإستراتيجي الخلاق بالتعاون مع المكاتب الاستشارية العالمية والمحلية لإيجاد حلول مبتكرة تتناسب والبيئة الثقافية والقانونية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية السعودية رابعاً.
وبطبيعة الحال يجب ألا ننسى قضية الوقت كعنصر حاسم في تلك العملية، فالوقت كالسيف إن لم تقطعه قطعك، إذ يجب مراعاة جميع العوامل المتعلقة برفع القدرة التنافسية للشركات الوطنية لتنهض بدورها في التنمية الاقتصادية في ظل تزايد المنافسة الخارجية المترتبة على انضمام المملكة لمنظمة التجارة العالمية.
وإذا علمنا بأن أهمية كفاءة نقل الرساميل تزداد عند الحديث عن تحويل الشركات المغلقة إلى شركات مساهمة مفتوحة وعن تسييل الأصول الاستثمارية، لأدركنا أهمية ضرورة زيادة الأوراق المالية المطروحة لتوجيه السيولة الكبيرة المتاحة حالياً لتأسيس الشركات أو تطويرها أو التوسع في أنشطتها الإنتاجية أو الخدمية، خاصة ونحن نعيش فائض سيولة يبحث عن فرص استثمارية داخلية أو خارجية بأسرع وقت ممكن ذلك أن تنمية الأموال مرتبطة بالوقت ارتباطاً وثيقاً.
وإذا أدركنا ضرورة زيادة إصدار أوراق مالية في ظل فائض السيولة الحالي، لعلمنا أهمية دور هيئة السوق المالية في تفعيل دور الأوراق المالية في نقل الرساميل الذي يمثل ضرورة قصوى، والأزمة التي نعانيها هي قصر الرؤية لدور الهيئة ووظيفتها بسوق الأسهم!! في ظل أن الدور الأكبر يُفترض به أن ينصب على قضايا أخرى لا تقل أهمية ولذا لم ينظر أصحاب هذا الرأي في جدولة الهيئة للاكتتاب في أربع شركات إضافة للسماح لشركة سابك بطرح صكوك إسلامية (سندات) لتمويل توسعاتها، سوى التأثير السلبي على سوق الأسهم!!
ومن وجهة نظري أن تجاوز معضلة بهذا الحجم تتطلب عقولاً لا عواطف ومنطقية لا قفزاً على الحقائق وحزماً في مواجهة أصحاب المصالح الضيقة الذين لا يرون السيولة إلا من عدسة الأسهم أو البقرة الحلوب لامتصاص أموال الناس بخطط المضاربة وألاعيب المجموعات دون قيم مضافة تخدم الاقتصاد!!

مدير التحرير للشؤون الاقتصادية
eco-Manager@al-jazirah.com.sa



http://aj22.tabnet.vwh.net/economic/20060812/in6.htm


الساعة الآن 11:14 .