الاقتصادية، السبت 13 شوال 1427هـ ، المصادف 4 نوفمبر 2006م

د. مقبل صالح أحمد الذكير
أستاذ الاقتصاد، جامعة الملك عبد العزيز
- تم حذف البريد -



من أكثر ما يجهدني من أعمال في أجندتي الأسبوعية، هو كتابة مقالي لهذه الجريدة الغراء. كنت قد انتهيت صباح يوم الأربعاء الماضي من كتابة موضوع غير هذا الذي تقرءون، لأني يجب أن أرسل المقال يوم الأربعاء أو ظهر يوم الخميس- كأقصى تقدير- بحسب الترتيب المتفق عليه مع الأخ محمود محرر صفحة الرأي. ولكن تدهور الأمور في سوق الأسهم ، وقلق الناس، وتغطية القنوات الفضائية المتخصصة للحدث، جعلني أغير الموضوع, لأكتب عن ما يهم الناس ويشغل بالهم. لقد بلغ سوء الوضع الفني للسوق مبلغا جعلني اختار لموضوعي هذا العنوان الذي ترونه. فهل انتهى السوق؟ وهل ما زال هناك ما هو أسوأ ؟ وأين يكمن قاع السوق ؟ وكيف يتصرف الناس ؟



في البداية أحب أن أوضح أن الكتابة عن سوق الأسهم تكون وفق منهجيين. الأول هو منهج مثالي، يسير وفق ما يجب أن تكون عليه الأحوال ضمن الإطار العام لاقتصادنا What ought to be، والثاني هو منهج واقعي، يناقش الوضع الجاري في السوق كما هو قائم فعلا What is. كان موضوعي يوم السبت الماضي يسير وفقا للمنهج الأول. أما موضوعي اليوم فسيكون وفقا للمنهج الثاني.



سجل مؤشر سوق الأسهم يوم الأربعاء الماضي أسوء إغلاق له منذ انهيار شهر فبراير الماضي، فقد أغلق عند مستوى 9328 نقطة. والسيئ فنيا في هذا الإغلاق أنه يترك للأسف احتمالا كبيرا لما هو أسوأ، فلم تعد هناك حدود لما يمكن أن يصل إليه الهبوط، فكل الاحتمالات أصبحت مفتوحة الآن. والواقع أن السوق برمته، ومنذ انهيار شهر فبراير الماضي، كان يسير في اتجاه مختلف عن السنوات الثلاث السابقة. إنه اتجاه مضطرب قلق ومحير لعامة المتداولين، دون خاصتهم من المحترفين القادرين علي استخدام أدوات التحليل الفني. فمن يمتلك منهم موهبة التحليل الفني، فإن السوق بالنسبة إليهم هو كتاب مفتوح إلي حد كبير. يؤجج من اضطراب هذا الاتجاه التي وقعت فيه السوق، عوامل سلبية خارجية وداخليه، يطغي أثر بعضها علي أثر البعض الآخر.



ومن أمثلة العوامل الخارجية العدوان البربري الإسرائيلي على لبنان في الصيف الماضي، و توتر الوضع الأمني والسياسي الآن في منطقة الخليج نتيجة المواجهة بين إيران والغرب حول برنامجها النووي. فمثل هذه الأحداث تصيب كبار المتداولين المؤثرين في حركة السوق، بقدر كبير من القلق تجعلهم يحجمون عن السوق ويسحبون أموالهم تدريجيا بالقدر الذي لا يؤثر على سعر السهم أو الأسهم التي يتحكمون فيها ويضاربون عليها. وفي أحيان أخرى يقوى أثر العوامل الداخلية، كمواقيت الاكتتابات الجديدة و مواعيد تداولها، كما تتأثر بالترتيبات التنظيمية التي تعلن عنها هيئة سوق المال. وبعض هذه الترتيبات تترك في البداية أثرا سلبيا على السوق، إذا وجد أغلب المتداولين أنها غير مناسبة لهم. وحينما تكون غير مناسبة لأغلبهم، فهي أيضا غير مناسبة لكبار المتداولين الذين يجدون في بقاء صغار المتداولين بالسوق عاملا مهما لنجاح ممارساتهم المضاربية. و من العوامل الداخلية المؤثرة في السوق أيضا، مبالغة بعض كبار المضاربين في رفع أسعار أسهم شركات خاسرة وضعيفة الأداء المالي، فإذا أزف وقت جني الأرباح والخروج من السهم وهبط سعرها، أثر ذلك على عامة السوق، وأنتاب المتداولين القلق الشديد وسيطر عليهم الخوف من انهيار السوق. ومثال ذلك ما جرى في أسهم تهامة والأسماك والباحة ونحوها قبل وأثناء شهر رمضان.



لكن هذا المسار المضطرب للسوق كان نتيجة طبيعية لوضعها بعد الجموح غير المنطقي لها في الفترة السابقة لانهيار شهر فبراير، ففي نهاية الأمر لا يصح إلا الصحيح !


فقصة سوق الأسهم واضحة، ففي السنوات القليلة الماضية دخلت سيولة هائلة في الاقتصاد، لم تجد مجالا للاستثمار سوى في سوق الأسهم، فاندفعت كمية ضخمة هائلة من الريالات لتطارد عددا محدودا من الأسهم، فكانت النتيجة تضخم الأسعار تضخما لا يبرره منطق تجاري ولا مالي. حينها ما عادت سوقنا سوقا للاستثمار، إنما سوقا لمضاربات بحته. وأصبحت المكاسب التي تتحقق من أسعار أسهم الشركات الخاسرة وذات الأداء المالي السيئ، تسجل تفوقا واضحا على أسهم الشركات الاستثمارية القوية ماليا. لأن الذين يملكون السيولة الضخمة يفضلون التعامل مع أسهم شركات محدودة العدد نسبيا ليتسنى لهم السيطرة عليها، وقد وجدوا هذا الوضع في أسهم الشركات الضعيفة ماليا. ولذلك كنا نجد أوقاتا يكون فيها المؤشر العام منخفضا، ومع ذلك تجد أسعار أسهم بعض هذه الشركات تسجل نسبا قصوى. فأكتشف البعض بالممارسة حقيقة أن هناك أسواقا صغيرة لكل سهم داخل السوق الكبير، فمع أن للسوق مؤشره العام، إلا أن صغار المتداولين يتجاهلونه – في بعض الأوقات- ويتابعون حركة سهم شركة معينة بذاتها، فيراقبون عن كثب سقوف مقاوماته ومستويا دعومه الذي تتم المضاربة في حدودهما، بصرف النظر عن وضع المؤشر العام.



ما هو العامل الأقوى الذي يقف خلف التدهور الأخير في السوق؟

في تصوري، أنه سبب خارجي بالدرجة الأولي. لقد خرجت سيولة أصحاب المحافظ الكبيرة الذين استطاعوا ترتيب أوضاعهم ليتمكنوا من الخروج السريع نسبيا، عند زيادة المخاطر الخارجية. خرجت هذه السيولة بسبب القلق الشديد لدى كبار المتداولين من المخاطر الكبيرة جدا لما يمكن أن تنهي إليه الأمور فيما لو أقدمت الحكومة الأمريكية على ارتكاب حماقة أخرى وتهور جديد في المنطقة بالدخول في مواجهة عسكرية مباشرة مع إيران. ولدى بوش وزمرته دوافع لارتكاب مثل هذه الحماقة، فتطور الأحداث يظهر قلق حكومته من احتمال فشل الحزب الجمهوري في الانتخابات التشريعية النصفية، بسبب تدهور شعبيته بين الناخبين الأمريكيين نتيجة فشل سياسات بوش في العراق، التي بلغت أقصاها في الشهر الأخير. يؤكد هذه المخاوف لدى كبار المتداولين، المناورات العسكرية التي أجراها الجيش الأمريكي مع جيوش غربية أخرى في الخليج العربي، وزيارة مدير وكالة الاستخبارات الأمريكية للمنطقة، وعبور حاملة طائرات أمريكية مع عدة سفن حربية لقناة السويس الثلاثاء الماضي، وقيام إيران بالمقابل بإجراء مناورات عسكرية مماثلة، ومحاولة الغرب استمالة سوريا أو إقناعها باتخاذ موقف الحياد فيما لو نشبت مواجهة مع إيران، عن طريق الموفد الذي أرسله رئيس الوزراء البريطاني بلير لسوريا الأسبوع الماضي. بالإضافة لتصاعد موجة التصريحات السياسية بين إيران وأمريكا، وبين أمريكا والقوى المناوئة لها في لبنان.



أما ما حدث في السوق يوم الأربعاء الماضي من ضغط كبير بسبب الكميات المباعة من سهم سابك، فهو نتيجة لهذه المخاوف وليس كما يعتقد البعض من أنه محاولة من قبل بعض المضاربين للضغط على السوق لتجميع السهم بأسعار متدنية. لقد هبط سعر سابك يوم الأربعاء الماضي ليقترب من مستواه في أواخر عام 2004م. فالذي يبيع سابك بهذه الأسعار وهذه الكميات، لا يمكن إلا أن يكون مضطرا ومدفوعا بسبب قاهر، وأنه يفضل السيولة على السهم الآن. ونظرا لأن سهم سابك يمثل صناعة النفط والبتروكيماويات في السوق، فسيكون أول وأكبر الأسهم المتضررة، فيما لو حدثت مواجهة بين إيران والغرب- لا قدر الله- . لذا فإن من كان يبيع كان يمارس مبدأ وقف احتمال تعرضه لخسارة أكبر في السهم. و ما أصاب سهم سابك كان مشاهدا حتى في أسهم شركات قيادية قوية أخرى. وفي مثل هذه الأوضاع والظروف، لا يكون للأسعار قاع واضح، فالخوف ( وأكبر منه الهلع) قد يدفع بالأسعار لما هو أقل من قيمتها الاسمية، لا فرق حينها بين أسهم شركات قوية أو ضعيفة.



الآن يبحث المتداولون عن قاع السوق، ليعرفوا متى يكون الدخول. وليس للسوق قاع محدد حتى تنتهي الأزمة السياسية في المنطقة. ومع ذلك تظل هناك إمكانية للمضاربة اللحظية الاحترافية. والأسلم لمن يملك السيولة ولا يجيد المضاربة الاحترافية السريعة، البقاء خارج السوق. أما من هو داخل السوق، فلأمر يعود لتقديره، فقد يرى أن الأسعار وصلت لحد متدن جدا بحيث لا يغني الخروج، وقد يرى أن القادم أخطر فيفضل إنقاذ ما يمكن إنقاذه.


السوق باق بحول الله في كل الأحوال، وكل هبوط سيتلوه صعود بشرط استقرار الأوضاع العامة، لكني اعتقد أن السوق سيكون بحلة وتكتيكات جديدة، بدأت تظهر شيئا فشيئا من الآن. كما اعتقد أن زمن المكاسب السريعة والكبيرة قد بدأ يذبل ويتلاشى.

لا توجد تقييمات لهذا الموضوع

يمكنك البدء بإعطاء تقييم عبر الضغط على النجوم أدناه:
5
4
3
2
1
هذا الكلام اللي يشرح الصدر والكل لازم يسمعه
السوق باق بحول الله في كل الأحوال، وكل هبوط سيتلوه صعود بشرط استقرار الأوضاع العامة، لكني اعتقد أن السوق سيكون بحلة وتكتيكات جديدة، بدأت تظهر شيئا فشيئا من الآن. كما اعتقد أن زمن المكاسب السريعة والكبيرة قد بدأ يذبل ويتلاشى.
للاسف هذي حقيقه
للاسف هذي حقيقه


الساعة الآن 02:04 .