مقال جريء في صحيفة الاقتصادية ،، موجه لوزير المالية ورئيس مؤسسة النقد * *

من 25 فبراير إلي 25 نوفمبر

د.مقبل صالح أحمد الذكير
أستاذ الاقتصاد، جامعة الملك عبد العزيز

ما فتئ كثير من ضحايا سوق الأسهم والمتورطين فيها، يسألوننا قائلين ناشدناكم الله يا أهل الاقتصاد والمعرفة دلونا ماذا نفعل ؟ وكيف نتصرف؟ لقد أنهكتنا السوق وضاعت مدخراتنا ! تراجعت صحتنا، وأشتد قلقنا، وساءت حياتنا الاقتصادية، واضطربت أحوالنا الاجتماعية. ها أنتم ترون أننا في بحر عشرة أشهر تعرضنا إلي ثلاثة موجات موجعة من تراجع السوق، أولها كان في فبراير، وثانيها في أغسطس، وآخرها الآن في نوفمبر. حتى بات هم بعضنا الآن النجاة برأس ماله فقط، بل إن بعضنا الآخر يتمنى، من هول الصدمة وعظم الكارثة وفقدان الأمل، إعادة نصف رأس ماله ليتخلص من هذا الذل والهوان وما اعتراه من نصَبٍ وهذيان. إن الناس في محنة كبرى لا يعلم مداها سوى الله تعالى !


نرجوكم لا تكتفوا بالقول إن هذه سوق مخاطرها عالية، وأن الناس وحدهم يتحملون مسؤولية الانخراط فيها، فمع صحة هذا الوصف عامة، إلا أن الحقيقة تظل أنها كارثة قومية بكل المقاييس تستدعي تضافر جهود الجميع. ولا أدل على ذلك، من أن المحنة طالت حتى من وضعوا أموالهم في صناديق البنوك، وحالهم لا يقل فداحة عن المنخرطين مباشرة في السوق.

أنتم تعرفون أن السوق ظلت تقفز سنة بعد أخرى منذ عام 2003 حتى نكبة فبراير 2006م، تحت سمع وبصر المسؤولين عن توجيه وإدارة السياسة الاقتصادية في مجتمعنا، وكانت أخبار مكاسبها تسترعي انتباه الناس وتجذبهم إليها شيئا فشيئا، حتى ظن الناس وكأنها رسالة إليهم بأنها الفرصة الذهبية لتحسين أحوالهم المعيشية، فغشي السوق من غشاها حتى حلت الكارثة ! فأين كان المسؤولون عنها؟ ألم يكن جديرا بهم منذ اللحظة الأولي التي رأوا فيها هذا الانحراف الاقتصادي، أن يسارعوا لاتخاذ المناسب من السياسات الاقتصادية لتوجيه السيولة وجذبها نحو قطاعات اقتصادية أخرى أفضل وأكثر فائدة لأصحاب المدخرات وللاقتصاد عموما ؟ خاصة وأن اقتصادنا زاخر بفرص واعدة كثيرة يدعمها سوق واسعة. لماذا لم ينهضوا سريعا فيشرّعوا الأبواب ويتبنوا من السياسات ما يوّجه الناس ويجذبهم نحو الأصلح والأنسب من الأنشطة الاقتصادية، كما جرى في طفرة السبعينات السابقة؟ لماذا تركوا المليارات تنزلق وتحتقن في سوق الأسهم لتولد طلبا عاليا على أسهم موجودة، ويجرى تدويرها بين المتداولين لترتفع أسعارها إلي مستويات قياسية، وينقلب السوق ليدخل في دوامة حمى مضاربة صاخبة وعنيفة؟

أما كان بالإمكان الإسراع بتذليل سبل تكوين شركات إنتاج جديدة عملاقة وقوية تمتص هذه الفوائض المالية وتزيد من عمق سوق الأسهم، باكتتابات جديدة تشكل صمام أمان ضد ممارسات المضاربة التي حفلت بها سوقنا وكانت أقرب للقمار منها لأي مسمى آخر؟ الأمر الذي زاد بشدة من درجة مخاطر السوق؟ أين كانوا قبل حلول الكارثة؟ ولماذا سكتوا طيلة ثلاثة سنوات؟ وهم المؤتمنون علي إدارة دفة الاقتصاد ؟


ألم يقرؤوا عشرات التقارير الصادرة من مصادر المعلومات الاقتصادية المتخصصة، ويسمعوا ما قاله وما زال يردده المراقبون في الدول الخليجية المجاورة لنا من أن أغلب المشاريع الاقتصادية والبنيات التحتية الاستثمارية التي قامت عندهم، كان يجب أن تقوم في الاقتصاد السعودي، لأنه الأكبر حجما والأوسع سوقا في المنطقة ؟ وأن البيروقراطية الجامدة هي التي أجبرت الشركات التجارية والمالية الكبرى على الاستقرار بالقرب من المملكة، بدلاً من أن تستقر داخلها، مكلفة بلادنا الملايين إن لم تكن المليارات من الإيرادات التي كان يتوقع تحقيقها ؟

بالإضافة لخسارة العديد من الوظائف وفرص العمل التي كان يمكن أن تولدها؟ وها أنتم قد قرأتم وقرأ الجميع معكم عن أضحوكة إلغاء ذلك المؤتمر الذي كتب عنه سعادة الدكتور عبد الرحمن الزامل بالاقتصادية يوم الأربعاء الماضي !

هل سألتم أنفسكم يا أهل الرأي والاختصاص والمسؤولية، قبل تقريع الناس، ما هي البدائل التي كانت متاحة لهم لتنمية مدخراتهم؟ هل غفلتم عن حقيقة أن أصحاب المدخرات الصغيرة يمثلون النسبة الكبرى من المواطنين، وأن رعاية مصالحهم هي في الواقع رعاية للمجتمع و صيانة لكيانه وضمان لاستقراره؟ ألا تعرفون أن تدهور الأحوال الاقتصادية لغالب أهل البلد هو سبب ماحق يمنع رواج اقتصاده مهما بلغ دخله القومي؟ لأن المال حينها يصبح دُولة بين الأغنياء منهم !


هل انتهي بنا الحال، بصرف النظر عن الأسباب والنتائج، إلي الاكتفاء بتحميل عامة الناس، ممن لا حول لهم ولا قوة في إدارة الشأن الاقتصادي، مسؤولية ما جرى ويجرى؟ ولماذا يظل المسؤولون عن هذا الفشل الاقتصادي الكبير يتهربون من تحمل مسؤولياتهم؟ ويلقون بتبعاتها على اضعف حلقات المجتمع، ولا يخضعون هم للحساب أو المراجعة ؟ إننا نرى فشلا كبيرا في التصدي لمواجهة وحل عدد من المشاكل الاقتصادية في وقت تفيض فيه الموارد العامة. فقد شهد اقتصادنا أكبر موازنة في تاريخه هذا العام، ووزارة المال أعلنت قبل أيام عن أعلى حصيلة من النقد الأجنبي دخل خزائنها. إن كل هذا يؤكد أن مشكلتنا ما كانت في يوم بسبب المال، لكنها بسبب سوء الإدارة.


ماذا فعلتم أنتم يا أساتذة الاقتصاد وعلوم المال والتجارة؟ أين دوركم كمتخصصين وحملة شهادات عليا نحو بلدكم الذي هيأ لكم التعليم العالي، كيف تردون إليه الجميل؟ ألستم جند من جنود الوطن تقفون على ثغر الاقتصادي؟ ألا تشعرون بما حل بالناس؟ أننا لا نحدثكم عن مشكلة محدودة كاختناق قطاع اقتصادي أو تأخر توفير خدمة أو حتى فشل تنفيذ مشروع ما، ولا نتحدث عن مشكلة حلت بفئة محدودة من الناس. إننا نتحدث عن كارثة اقتصادية وطنية عمت الجميع. كارثة ألقت بثقلها لتزيد من حدة المشاكل التي نعاني منها أصلا. انظروا إلي بيوتنا وتفقدوا أحوالنا، فما من بيت يخلو من شاب أو فتاة إلا وهو إما بين عاطل عن العمل أو عاجز عن متابعة الدراسة في الجامعات أو الكليات سواء المدنية منها أو العسكرية. ثم جاءت كارثة سوق الأسهم لتقضى على مدخراتنا وتزيد من مصابنا. نعم ضاعت مدخراتنا التي كنا نعتمد عليها لتوفير الحد الأدنى لمساندة ولرعاية هؤلاء الفتية العاطلين والقابعين في منازلنا، حتى لا يضيعوا من بين أيدينا، إلي أن يقضى الله فيهم أمرا كان مفعولا !


ناشدناكم الله يا أبناء جلدتنا، قولوا لنا ما هذا الذي يجرى لنا ولاقتصادنا ؟ هل ُهنّا على بعضنا ونحن الكرام مع غيرنا؟ ألا توجد مقترحات وحلول لمواجهة هذه النكبات حتى لو بطرق متدرجة ؟ ألا توجد مؤشرات إحصائية تدل بلغة الأرقام والحقائق، لا لغة العموميات والانطباعات الشخصية والأمنيات والوعود العِذاب، على مدى ومقدار وفداحة ما حل بالناس؟ قولوا لنا ما هي نسبة مساهمة القطاع الحكومي في توفير فرص وظيفية للعاطلين خلال سنة واحدة فقط؟ وكم هي نسبة مساهمة القطاع الخاص؟ وكم عدد المقبولين في التعليم العالي وكم نسبتهم من أعداد خريجي الثانوية؟ وكيف يمكن استيعاب الأعداد المتبقية من هؤلاء ودمجهم في المجتمع؟ إن بعض أبناء الأسر بدأ يتمرد ويصبح فريسة للضياع وللتطرف، لقد فقدوا الصبر وأصابهم الوهن والإحباط ! أليس فيكم من يقدر الواقع و خطورة ما يجرى فيه حق تقديره؟ فيخبرنا كيف يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟ قبل خروج الأمور عن السيطرة ؟


ما لنا نسمع من الجميع جعجعة ولا نرى طحنا؟ ما قيمة ارتفاع نسبة ما تسمونه معدل النمو في دخلنا القومي، دون أن ينعكس هذا على حياتنا ومستوى معاشنا؟ وكيف يخرج علينا بعض المسؤولين يقولون أن معدل التضخم تحت السيطرة وأنه لم يتعدى نسبة 2% أو نحوها؟ بينما نحن في الواقع نجاهد ونكافح في سباق مراثوني مع ارتفاع تكاليف الدواء والغذاء ومستلزمات البناء، التي قفز بعضها إلي نحو 30 في المئة عن أسعارها قبل سنة ؟ ما بالنا كأفراد ومواطنين عاديين لا نشعر بأثر مخصصات الإنفاق الضخمة التي أعلنت في ميزانية السنة المالية الحالية، ونحن الآن نقترب من نهاية الشهر العاشر منها؟ ولماذا كنا نشعر بأثر حقيقي لبرامج الإنفاق في فترة طفرة السبعينات، ولا نشعر به الآن؟ قولوا لنا ما هي الأسباب ؟ وما هو الحل؟ وأين المخرج؟ وإلي أن المصير؟



الساعة الآن 11:59 .